المقالة‌
التحديات الأخلاقية التي تواجه الأسرة في عصر العلم
التأریخ: 25/06/2016
مشاهدة:  357

د. أيمن شبانة

 

أستاذ مشارك للأبحاث في كلية الشؤون الدولية التابعة لجامعة جورجتاون بقطر
 
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم وبعد

فموضوع الأسرة في عصر العلم يعتبر من أهم الموضوعات التي تشغل العلماء والباحثين بصورة عامة في جميع أنحاء العالم. فنحن بحق نعيش بفضل العلم والتقنية الحديثة في قرية صغيرة وما يحدث في أي ركن من أركان المعمورة يصل تقريبا في نفس اللحظة إلى الأركان الاخرى. وكذلك فإن منتجات هذه التقنية والإنتفاع بها ليس قاصرا على مواطني الدول المتقدمة حيث غالبا ما تطور هذه التقنيات ولكنها أيضا متاحة تقريبا في نفس التوقيت لمن يمتلك الإمكانات المادية للحصول عليها بغض النظر عن المكان الذي يسكن فيه.
ولكن موضوع الأسرة بشكل عام ومدى تأثير التقنيات الطبية الحديثة عليها بشكل خاص ينطوي على العديد من الصعوبات لعدة أسباب لعل من أهمها ما يلي: أولا تشعب الموضوع وارتباطه بجوانب متعددة في مجالات مختلفة وثانيها خصوصية الموضوع وارتباطه بالمنظومة القيمية للمجتمع التي تحدد طبيعتَه وهويتَه.
وفيما يخص السبب الأول فإن الحديث عن موضوع الأسرة كمؤسسة اجتماعية له ارتباط في المقام الأول بانظام القانوني الذي يحكم التشريعات المتعلقة بالأسرة وكيفية معالجته للتطبيقات التقنية في مجال الأسرة كما هو الحال في مجال الصحة الإنجابية على سبيل المثال. كما ان هذا الموضوع يتطلب دراية بالتطبيقات المختلفة لهذه التقنية وفهم طبيعتها وكذلك تاريخ تطورها. وبما أن تشريعات الأحوال الشخصية في معظم دول العالم الإسلامي مستمدة من أحكام الشريعة الإسلامية فإن التكييف القانوني والفقهي لهذه التطبيقات يتطلب أيضا دراية بأحكام الشريعة الإسلامية بوجه عام وما يخص منها نظام الأسرة بوجه خاص. وكما هو معلوم للباحثين في هذا المجال فإن البحث عن الحكم لمسألة مستحدثة عن طريق التخريج والاستنباط يتطلب البحث أيضا في التراث الفقهي عن مسائل وأحكام مشابهة وامكانية البناء عليها في الوصول إلى حكم خاص لهذه المسائل المستحدثة.
وبالنسبة للسبب الثاني فإن موضوع الأسرة يعتبر من أهم الموضوعات حساسية نظرا لإرتباطه بمنظومة القيم والاخلاق التي تشكل الهوية المميزه للمجتمع ولذلك فإن الحديث عن أي تجديد أو إصلاح في هذا المجال غالبا ما يصاحبه جدل شديد ومعقد بين أنصار التجديد أو الإصلاح ومعارضيه بوجه عام. ولعل هذا مما يفسر سر بقاء الأحوال الشخصية كأحد أهم الاستثناءات في حركة التقنين على غرار القوانين الغربية التي اجتاحت العالم الإسلامي تحت تأثير الإستعمار الغربي على مدار القرنين الماضيين وبقاءها مرتبطة بالشريعة الأسلامية على عكس انفكاك المجالات القانونية الأخرى عن منظومة الشريعة والفقه الإسلامي التي ظلت حاكمة للنظام القانوني في العالم الإسلامي حتى بداية حركة التقنين تلك.
وبصورة عامة يقسم الباحثون علاقة الشريعة بتشريعات الاحوال الشخصية في الدول الإسلامية فيما بعد حركة اتلقنين إلى ثلاثة أقسام: بلاد لم تتأثر فيها تشريعات الأحوال الشخصية بل ظلت في إطار الفقه الإسلامي  كما هو الحال في المملكة العربية السعودية، بلاد تم فيها إزاحة الشريعة عن النظام القانوني ككل حتى فيما يخص الأحوال الشخصية كما هو الحال في تركيا، وبلاد أعادت صياغة الأحوال الشخصية في صورة تشريعات وقوانين حديثة ولكنها تعتمد في الاساس على الشريعة الإسلامية كما هو الحال في معظم دول العالم الإسلامي وخاصة في العالم العربي حيث وضعت كل دولة القانون المدني الخاص بها.  
لقد كان للتطور الهائل في مجال التقنية الجينية والصحة الإنجابية بالغ الأثر في إثارة العديد من الأسئلة المتعلقة بكيان الأسرة بصورة عامة و الأسرة النووية التي تشمل الزوجين والأبناء بصورة خاصة من حيث ماهيتها (أي الأسرة) وطبيعة العلاقة بين أفرادها وبالتالي مدى استمرارها في شكلها التقليدي المعروف أو تطورها في أشكال أخرى من العلاقات التي تتيحها التقنية الطبية الحديثة والتي لم تكن معروفة من قبل. وهذه الأسئلة تشمل دور هذه التقنية في تكوين الأسرة ابتداءا من حيث اختيار الزوجين على أساس الإختبارات الجينية كما تشمل دور التقنية في تحديد من له الحق في الإنتماء إلى كيان الأسرة سواء كطرف ثالث مشارك في التكوين الجيني أو البيولوجي للأبناء أوتحديد تعريف الأبوة أو الأمومة على أساس التفرقة بين البعد الطبيعي البيولوجي والبعد الشرعي القانوني.
وحتى يكون الحديث مركزا فإني سأتناول هذا الموضوع من خلال النقاط التالية: التقنيات الطبية بين الخيال والواقع، التقنيات الطبية والأخلاقيات الإسلامية، ثم اركز على مثالين وهما البصمة الوراثية والتقنية الإنجابية
أولا: التقنيات الطبية المتعلقة بكيان الأسرة  بين الخيال والواقع
لقد بدأت ارهاصات العديد من تطبيقات التقنية الطبية وخصوصا المتعلقة منها بالصحة الإنجابية في أدب الخيال العلمي الذي ركز على تحويل العملية الإنجابية إلى عملية آلية صناعية لا تعتمد بالضرورة على العمليات البيولوجية التي تتم داخل الجسم الإنساني. حيث بدأت التجارب الأولى في هذا المجال بمحاولة تقسيم العملية الإنجابية إلى عدة مراحل يمكن الفصل بينها بل وإجراء بعضها في المعمل كما هو الحال في عمليات التلقيح الصناعي. إلا أن هذه التقنية تطورت بشكل مطرد لتصل لمرحلة التدخل المباشر في العملية الإنجابية من خلال التحكم في نتيجتها من خلال عمليات شتل الجنين مرورا باختار جنسه وصولا إلى محاولات الاستنساخ البشري. ولا يخفى على المتابع المهتم بهذا المجال المحاولات الحثيثة والمتلاحقة في هذا الشأن لعل من آخرها ما أقره البرلمان البريطاني في فبراير الماضي من امكانية استبدال بعض مكونات الحمض النووي للأم الحامل التي قد  تشتمل على بعض مورثات الأمراض الكامنة بأجزاء بديلة من أمرأة أخرى عن طريق تقنية جديدة  وهو مايؤدي بالضرورة لإشتراك امرأتين في التكوين الجيني للجنين. ومن هذه الناحية فإن هذه العملية تشبه بشكل كبير عملية استئجار الرحم خصوصا في حالة حمل صاحبة الرحم البديل لجنين الزوجة غير القادرة على الحمل. وهوما يطلق عليه (mitochondrial transfer techniques) العلاج الجيني الذي يتطلب ثلاثة آباء (three-parent mitochondrial gene therapy). وكذلك ما أعلنته بعض المختبرات الفرنسية مؤخرا من محاولة استنبات الحيوانات المنوية في المختبر والتي في حالة نجاحها تسهم بصورة أكبر في  ميكنة العملية الإنجابية وما يستتبعه ذلك من استكمال هذه العملية لتتم بصورة شبه كاملة خارج الجسد.
نعم لقد أسهمت التقنية الحديثة في مجال الجينات والصحة الإنجابية في معالجة العقم وتسهيل عملية الإنجاب لحالات كثيرة كانت في حكم الميئوس منها حتى وقت قريب ولكن ومن ناحية أخرى فقد أثارت بعض تطبيقات هذه التقنية العديد من الإشكاليات الأخلاقية غير المسبوقة بل وغير الواردة قبل ظهور هذه التطبيقات. ولغل من أصعب هذه الإشكاليات ما يتعلق بإعادة صياغة المفاهيم التقليدية الثابتة للأسرة ومدى ارتباط أو بالأحرى حصر عملية الإنجاب داخل إطار هذه الأسرة. وفي حين يرى المؤيدون لهذه التقنية مزايا عديدة تتيح للإنسان مجالات أوسع لممارسة الحرية الشخصية في عدد من أهم القرارات المصيرية المتعلقة بالزواج والإنجاب يرى المتحفظون في هذه التطبيقات تهديدا صريحا للمنظمومات الأخلاقية الثابتة خاصة ما كان منها مرتبطا بالمعتقدات الدينية وكذلك القيم الإجتماعية والثقافية المتوارثة.
فعلى سبيل المثال في حين تتيح الإختبارات الجينية امكانية الكشف عن الأمراض الوراثية الكامنة سواء قبل الزواج أو أثناء الحمل فإن تطبيقات الصحة الإنجابية تسهل وتتيح امكانية الإنجاب بل والتحكم في نتيجتها للراغبين فيها سواء داخل أوخارج نطاق الأسرة القائمة على أساس عقد زواج شرعي.
وبغض النظر عن المنظور القانوني والاخلاقي لمثل هذه الإجراءات فإن ما تثبته الخبرة البشرية هي أن سعي الإنسان للتجربة واستكشاف حدود الممكن من الناحية العلمية غير محدود.
 ومما يزيد هذا الشغف المنافسة الشديدة بين العلماء والحرص على اسبقية الوصول للجديد في مجال البحث العلمي. ويبقى السؤال المهم في هذا السياق هو إالى أي مدي ينبغي أن يتقيد العلم بضوابط الأخلاق.
لقد اثبت التاريخ البشري القريب أنه في حالة انفصال العلم عن القيم الأخلاقية فإنه من الممكن بل وحتى شبه الؤكد أن يتحول العلم إلى اداة هدم ودمار بدل أن يكون أداة بناء وإعمار. لقد كانت تجربة الحربين العالميتين في القرن العشرين وخصوصا الاخيرة منهما دافعا لإعادة التفكير في هذا السؤال المهم مما أدى إلى ظهور محاولات عديدة لبلورة مفاهيم أخلاقية عامة تعلي من شأن الإنسان كقيمة في حد ذاته بغض النظر عن عرقه ومعتقده وثقافته ومن ابرزهذه المحاولات المفاهيم الحديثة الخاصة بحقوق الإنسان  وكذلك الأخلاقيات الحيوية وإن ظل الجدل بشأن هذه المفاهيم مستمرا خصوصا فيما يتعلق بعلاقة هذه المفاهيم الأخلاقية العامة بالمنظومات الدينية والثقافية الخاصة بالمجتمعات االمتعددة والمختلفة.  
ثانيا: التقنيات الطبية والأخلاقيات الإسلامية
لعل من أهم الصعوبات التي تثيرها تطبيقات التقنية الطبية الحديثة في العالم الإسلامي هو تأثيرها على المنظومات الأخلاقية الإسلامية سواء منها المرتبط بالمفاهيم العقائدية مثل مسألة الإيمان بالقضاء والقدر أو المفاهيم الشرعية الفقهية مثل مسائل الأحوال الشخصية المختلفة. وأخص بالذكر هنا سؤالين على قدر كبير من الاهمية وهما: أولا، (وهو ما له ارتباط اكبر بالتقنية الجينية)، إلى أي مدى ينبغي أن يرتبط مفهومي الأبوة والامومة بمفهوم الزواج الشرعي ، وثانيا،( وهو ما له ارتباط اكبر بتقنيات الإنجاب الصناعي،) إلى أمدى يعتبر العقم مرضا يتطلب العلاج أم قدرا ينبغي الصبر عليه.
 لقد كان لإتساع نطاق الأحكام الشرعية التي تشمل كافة اعمال المكلفين أثره في حث الاجيال المتعاقبة من الفقهاء المسلمين منذ العصور الأولى لبعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وعبر القرون على فهم االنصوص التشريعية وكذلك على البحث عن الأحكام الشرعية الملائمة لما يجد لهم من أحداث وتعاملات. وتبقى مدونات علوم الشريعة الإسلامية وفقهها شاهدا على جهود الفقهاء المسلمين المعتبرة في هذا المجال. وإن كان الإهتمام بهذه المدونات قد فتر خلال القرنين الماضيين تحت تأثير حركة التقنين الغربي سالف الذكر إلا أن هذا الإهتمام لم ينقطع في بعض دوائر طلاب العلوم الشرعية في مختلف بقاع العالم الإسلامي. وقد شهدت العقود القليلة الماضية إهتماما متزايدا بالعلوم الشرعية لعدة اسباب من ابرزها الإهتمام العالمي بكل ما له علاقة بالإسلام. وكذلك، كما سبقت الإشارة الى ذلك، ظلت تشريعات الأحوال الشخصية في معظم بلاد العالم الإسلامي مرتبطة بالشريعة الإسلامية وفقهها ولو بدرجات ومناهج متفاوتة.
ويلاحظ الباحثون ان التغيير والإصلاح في تقنين الأحوال الشخصية تم من خلال عدد من الوسائل التي تشمل على سبيل المثال: طرق اجراءية وإدارية مثل تحديد شروط التقاضي وقبول الدعاوى (مثل مسألة زواج القاصر وتحديد الحد الادنى لسن الزواج لقبول دعاوى التقاضي  كما هو الحال في القانون المصري الصادر في عام 1923 والذي يحدد سن الزواج للذكور بثمانية عشر عاما وللإناث بستة عشر عاما وكذلك أيضا القانون الصادر عاع 1929 بتحديد أقصى مدة الحمل لمدة عام )، تخير أوفق الآراء من المذاهب المختلفة وعدم التقيد بمذهب واحد، إعادة التفسير والاستنباط في ضوء المستجدات العصرية، وأخيرا التغيير من خلال السوابق القضائية خاصة في حالات الفراغ التشريعي.
إن أهم مايميز الأحكام الشرعية عن الأحكام القانونية الوضعية هو ارتباط الأولى بالنظرة الكونية الإسلامية وما تتضمنه من مفاهيم عقائدية وأخلاقية ثابتة مثل التعبد، العمران، تحقيق المصالح ودفع المضار. لقد ادرك الفقهاء المسلمون الفرق بين المبادئ الاخلاقية الثابتة المرتبطة بالنظرة الكونية والاخلاقية الإسلامية والأحكام الفقهية المتغيرة بحسب الأحوال والامكنة والازمنة والتي تهدف في النهاية إلى تحقيق المقاصد العليا للشريعة الإسلامية.
وفي هذا السياق فإن النظر الفقهي لتطبيقات التقنية الطبية الحديثة في مجال الأسرة لا يختلف عن النظر الفقهي بصورة عامة حيث أنه يهدف إلى مراعاة وتحقيق المبادئ الأخلاقية الأساسية للشريعة الإسلامية من خلال استقراء الأحكام الشرعية في هذا المجال وتنزيلها على المسائل المستحدثة. ومن ثم فإن التقييم الأخلاقي لهذه التطبيقات لا ينطلق من فراغ بل يبدأ من النصوص الشرعية المؤسسة خاصة ما له علاقة مباشرة بالموضوع وكذلك من الاستئناس بالسوابق الفقهية ذات الصلة. ففيما يتعلق بالعلاقة الزوجية تؤكد الشريعة الإسلامية على العديد من المعاني مثل الرحمة والمودة والسكن. وفيما يتعلق بالإنجاب تؤكد الشريعة الإسلامية على أهمية النكاح كإطار عام للعلاقة الشرعية بين الرجل والمرأة للإحتياط من اختلاط الأنساب الذي يؤدي إلى النزاع بالإضافة إالى العديد من المضار النفسية والإجتماعية.
إلا أنه من الناحية العملية، في ضوء توافر تطبيقات التقنية الطبية في مجال الأسرة وما يستتبعه من بروز مسائل جديدة ينبغي التفكير في عدد من الأسئلة المتعلقة بالإمور التالية: ماهية وكيفية التقييم الفقهي والأخلاقي لهذه التطبيقات، امكانية الوصول الى رأي معتمد يمكن الإجماع عليه، مدى تأثير هذا التقييم على منظومة الاحوال الشخصية الاسلامية، مدى الموازنة بين ماهو ممكن علميا وما هو مباح إسلاميا، وكذلك مدى موافقة النظرة الإسلامية لغيرها من المظومات الأخلاقية سواء منها الدينية أو الوضعية.  
وفي ضوء هذه الأسئلة فإنني سأركز على مسألتين أساسيتن بهدف استطلاع وتقييم الآراء الفقهية المتعلقة بهاتين المسألتين وهما البصمة الوراثية والإنجاب الصناعي.

بين البصمة الوراثية والتقنية الإنجابية
أولا فيما يخص البصمة الوراثية فهي تعتبر إحدى ثمار الثورة البيولوجية والجينية التي بدأت في عام 1953 مع اكتشاف الحمض النووي الذي يحتوي على مستودع الجينات الوراثية في الكائنات الحية والذي اعتبر سبقا علميا حصل بسببه مكتشفيه (فرانسيس كريك وجيمس واتسون وموريس ويلكنس) على جائزة نوبل للطب في عام 1962. وقد توالت على اثر هذا الاكتشاف العديد من الإكتشافات الاخرى حتى استطاع العالم الإنجليزي الك جيفري في عام 1985 من اثبات أهمية الحمض النووي في تحديد الهوية الشخصية لكل إنسان وهو ما بات يطلق عليه البصمة الوراثية.  ومن الناحية القانونية فإن أهمية هذا الإكتشاف تكمن في قدرته على تحديد الهوية الشخصية بناء على التركيب الجيني للإنسان بغض النظر عن طرق الإثبات القانونية الأخرى. وقد لعبت البصمة الوراثية دورا بارزا منذ المراحل الاولى لاكتشافها حيث اعتبرت ثورة حقيقية في مجال الطب االشرعي وقد شارك  الك جيفري بنفسه في حل الغاز بعض القضايا بناء على تحليل البصمة الوراثية. وتستخدم البصمة الوراثية عموما لهدفين اساسيين: في تحديد الهوية الشخصية في حالات الجرائم والاستخدامات الأخرى للطب الشرعي وكذلك في تحديد القرابة العائلية.
وكما هو الحال مع التقنيات الحديثة في المجالات المختلفة فقد تم استيراد تلك التقنية في العالم الإسلامي ومعها ثارت التساؤلات حول مدى توافقها مع الأخلاق والتشريعات الإسلامية. وبوجه عام فقد كانت استخدامات البصمة الوراثية في مجال الطب الشرعي اكثر قبولا خصوصا فيما يتعلق بالكشف عن تحديد هوية المجرمين وضحايا الحوادث والكوارث. والاستثناء الوحيد في هذا الجانب كان ولايزال استخدامها في قضايا القصاص والحدود والتي تتطلب شروطا شرعية معينة ومحددة للإثبات. أما الجدل الأكبر فقد ثار حول استخدام البصمة الوراثية في تحديد القرابة العائلية (خصوصا في اختبارات النسب). ويكمن الاشكال الأكبر في هذا الجدل في التكييف الفقهي لماهية البصمة الوراثية وترتيبها على اساس ذلك التكييف ضمن وسائل الإثبات الاخرى للنسب (مثل الفراش والإقرار والإشهاد والقيافة وغيرها من الوسائل). وبالتالي فإن هذا التكييف يتوقف على اجابة عدة اسئلة حول: علاقة البصمة الوراثية بعقد النكاح، مدى اعتبار البصمة الوراثية دليلا مستقلا أو مجرد قرينة قياسا على وسائل التحقق من الشخصية التي كانت تستخدم في السابق ومن أهمها القيافة، مدي حجية البصمة الوراثية ويقينية نتائجها من الناحية العلمية، ايهما يقدم في قضايا النسب علاقة الزواج الشرعية أم علاقة البنوة الطبيعية، وأخيرا مدى امكانية اثبات النسب خارج اطار الزواج.
وحول هذه الأسئلة برز وتطور تدريجيا ما يمكن ان يسمى فقه البصمة الوراثية والذي يبحث في ماهيتها وحجيتها واستخداماتها المختلفة. وما يهمنا في هذا السياق هو تسليط الضوء على دور البصمة الوراثية في التأثير على كيان الأسرة ومنظومة الأخلاق والتشريعات الإسلامية المتعلقة بها. ولا يمكننا التعرض هنا بالتفصيل لكافة القضايا في هذه النقاشات ولكن يمكن الإشارة إلى بعض الخطوط العريضة الخاصة بالموضوع والتي تمثل نقاط ااتفاق بين معظم الباحثين والتي تشمل الآتي: كون البصمة الوراثية وسيلة علمية يمكن الوثوق بها واعتبارها من الناحية الفقهية قرينة معتبرة، كون الأخطاء الواردة في نتائج البصمة الوراثية ناتجة في الغالب عن عوامل مصاحبة مثل تلوث العينات أو أخطاء معملية أو فنية أخرى وليس نتيجة قصور في البصمة الوراثية نفسها كوسيلة علمية، وبالنسبة لاستخدامها في مجال تحديد النسب فإن الغالبية العظمى من الفقهاء المعاصرين يفرقون بين النسب الثابت بالنكاح (والذي لايجوز التحقق منه بأي وسيلة أخرى) والنسب المشكوك فيه والذي يجوز التأكد منه بأي وسيلة من وسائل التحقق ومنه البصمة الوراثية (كما في حالات اختلاط المواليد او ماشابهها). وفي ما عدا أوجه الإتفاق تلك يمكن التفريق بين موقفين أساسسيين تجاه البصمة الوراثية وهو ما يمكن الإشارة اليهما بالاعتماد الشامل والاعتماد المحدود للبصمة الوراثية. ومن الممكن تتبع هذين الموقفين من خلال بعض النقاط المهمة مثل ماهيتها وتكييفها بالإضافة الى دورها في اثبات النسب ونفيه.
فبالنسبة لموقف الاعتماد الشامل: يرى مناصروه أن البصمة الوراثية تعتبر انجازا كبيرا في مجال الطب الشرعي يجب الاحتفاء بها والاستفادة منها باعتبارها أيه من آيات الله. ومن حيث التكييف الفقهي فهي تعتبر قرينة قوية جدا ويمكن اعتبارها دليلا قطعيا. أما فيما يخص اثبات النسب فوفقا لهذا الاتجاه ينبغي الاعتماد على البصمة الوراثية للتحقق من الفراش بصورة عامة بدون حصرها في نطاق القيافة باعتبارها اقوى من حيث الدلالة من أي وسيلة اخرى بما فيها الاقرار والشهود بل يمكن استخدامها للتحقق من هذه الوسائل نفسها. وفيما  يخص نفي النسب فيمكن اعتمادها كبديل عن اللعان باعتبارها أقوى من حيث الدلالة.
أما بالنسبة لموقف الاعتماد المحدود: فيرى مناصروه أن البصمة الوراثية يمكن اعتبارها قرينة مساوية للقيافة من حيث الدلالة والترتيب بين الأدلة الأخرى وكذلك من حيث دورها في اثبات النسب ونفيه. وما يؤكد عليه انصار هذا الموقف ايضا هو الابعاد التعبدية للأحكام وكذلك الآثار الشرعية المترتبة عليها والتي تعزز من ثباتها في مقابل الوسائل الأخرى حتى وان كانت مستندة الى اسس علمية.[†]    
وبالانتقال للموضوع الآخر وهو تقنيات الإنجاب الصناعي فنجد انها تشير إلى عدد من التطبيقات التي تساعد إما على الإنجاب في حالة العقم أو على التحكم في نتائجه. ويرجع تاريخ تلك التقنيات الى العديد من التجارب في عالم الحيوان والنبات حتى ميلاد اول طفلة ( لويس براون)عن طريق تقنية الإخصاب المساعد في انجلترا في عام 1978. وكما هو الحال في موضوع البصمة الوراثية فقد نشأ وتطور ما يمكن أن يطلق عليه فقه الإنجاب الصناعي عقب وصول هذه التقنيات للعالم الإسلامي وما أثارته من اسئلة غير مسبوقة. وكما هو الحال في مسألة البصمة الوراثية ونظرا لتشعب الموضوع وكثرة تفاصيله يمكننا الإشارة إلى بعض النقاط الأساسية والتي يجمع عليها غالبية الفقهاء والباحثين في هذا الموضوع وهي امكانية الإستفادة من تطبيقات الإنجاب الصناعي طالما توافرت بعض الشروط ومن أهمها: أن يتم التطبيق داخل إطار الزواج الشرعي، ضمان عدم تدخل طرف ثالث بين الزوجين (كما هو الحال في مسألة الرحم الظئر أو البديلة)، وكذلك ضمان عدم تشكل الجنين بغير مني الزوج وبويضة الزوجة (كما هو الحال في مسألة التبرع بالنطف: سواء المني أو البويضة). وفيما عدا نقاط الإتفاق تلك، وباستثناء بعض الآراء القليلة المخالفة، فقد ثار جدل كبير فيما يتعلق بالآثار الفعلية لعمليات الإنجاب الصناعي، بغض النظر عن مشروعيتها. وهذا الجدل يدور في معظمه حول أثر هذه التطبيقات على تعريف أو بالأحرى إعادة تعريف مفهومي الأبوة والأمومة والأسس التي يعتمد عليها هذا التعريف أو ذاك. ومن هذه الاسئلة تعريف الأم على أساس عقد الزواج أو الحمل أو التكوين الجيني وكذلك تعريف الأب على أساس عقد الزواج أو الأبوة الطبيعية.[‡]  
ومن خلال هذين المثالين (البصمة الوراثية والإنجاب الصناعي) نلاحظ مدى الأثر الذي انتجته التقنية الطبية على المنظومة التشريعية والاخلاقية المتعلقة بالأسرة وكذلك دورها في طرح تساؤلات واشكاليات جديدة تتطلب اجتهادا اصيلا وبحثا متعمقا لكافة جوانب الموضوع وهو ما يتطلب بدوره تضافر الجهود بين المختصين في مجالات متعددة.
هذا فيما يخص الموضوع أما فيما يتعلق بالمنهجية فينبغي الإشارة إلى دور المجامع والمؤسسات العلمية في مناقشة الأبعاد العلمية والفقهية لهذا الموضوع من خلال العديد من المؤتمرات والحلقات النقاشية المتتابعة ومن ابرز هذه المؤسسات مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي والمجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي والمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالإضافة الى مؤسساست الإفتاء الوطنية في العالم الإسلامي.
إن المتتبع للمنظور الإسلامي حول هذين الموضوعين أو حول التطبيقات الأخرى للتقنية الطبية بشكل عام يلاحظ الدور المحوري الذي لعبته وتلعبه هذا المؤسسات في صياغة وجهة النظر الإسلامية حول هذه الموضوعات من خلال القرارات والبيانات المتتابعة للعديد من المؤتمرات واللقاءات المتخصصة. كما أن هذا التتبع سيظهر الأثر التراكمي لهذه الجهود في محاولة مراجعة الآراء وكذلك محاولة جمع  الكلمة حول رأي معتمد. وعلى سبيل المثال وفيما يخص موضوع البصمة الوراثية فقد بدأت المناقشات في إطار لقاءات نظمتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية مابين عامي 1998 و2000 وقد استكملت هذه المناقشات ونتائجها لاحقا من خلال انشطة مشابهة لعدد من المؤسسات الدولية والوطنية مثل المجمع الفقهي الإسلامي وخصوصا في دورته السادسة عشرة المنعقدة في عام 2002  وكذلك مجمع الفقه الإسلامي الدولي (في عدد من دوراته كان آخرها دورته العشرين المنعقدة في الجزائر في شهر سبتمبر 2012). أما فيما يخص موضوع الانجاب الصناعي فقد لعبت نفس المؤسسات دورا مهما بالإضافة إلى عدد من مؤسسات الإفتاء الوطنية مثل الأزهر في مصر. ومن أهم الفتاوى والقرارات في هذا الشأن هي فتوى الازهر الشريف التي اصدرها الشيخ جاد الحق علي جاد الحق في عام 1980 وكذلك قراري المجمع الفقهي الإسلامي في دورتيه السابعة في عام 1984 والثامنة في عام 1985 وكذلك مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورته الثالثة في عام 1986.
لقد لعبت هذه الجهود المؤسسسية دورا كبيرا ليس فقط في توجيه الفتاوى المتعلقة بهذه القضايا المهمة ولكن كما سلفت الإشارة في محاولة استقصاء الآراء الممكنة لدى المختصين والخبراء ومحاولة جمع الكلمة حول رأي معتمد في كل مسألة. كما أن هذه الجهود مثلت ولا تزال المصدر الرئيسي الذي يعتمد علية القضاء في معظم دول العالم الإسلامي وخاصة في حالات الفراغ التشريعي.  
وفي النهاية وفي ضوء ما سبق وردا على سؤال هل يمكن الجمع بين ماهو ممكن علميا وتقنيا وبين ما هو ملزم أخلاقيا أو تشريعيا من وجهة النظر الإسلامية فإن الإجابة من الناحية القانونية التشريعية ستتوقف على وجود تشريع ملزم من عدمه. أما على المستوى الفردي فإن الإجابة بالإيجاب أو النفي ستعتمد كما هو الحال في غيرها من الأمور على مدى قبول أو الالتزام برأي معين. نعم ربما تمثل التطبيقات المختلفة للتقنية الطبية أمورا مستحدثة أو نوازل جديدة ولكنها في النهاية كغيرها من المسائل الأخرى تعتمد على اطمئنان المكلف إلى ما يعتبره الحكم الشرعي في المسألة.
 
 
 
  
Copyright ©, All Right Reserved.