المقالة‌
البعد الغائب: الدين في العلاج النفسي
التأریخ: 27/12/2016
مشاهدة:  248

د. ازاد علي اسماعيل


المستشار الٲكاديمي لمركز الزهاوي

يتفق معظم الباحثين وعلماء النفس على تعريف علم النفس بأنه الدراسة للعلمية للسلوك والعمليات العقلية. ومما يمكن ملاحظته أن الدين كان ولا يزال يشكل جزءا من السلوك الانساني طقوسا وشعائر ومن منظومته المعرفية اعتقادا وأفكارا. والمتتبع للبحوث النفسية المنشورة في المجلات النفسية، في الولايات المتحدة على وجه خصوص في عدد من البلدان الاوروبية عموما، يلحظ ازدياد اهتمامهم بموضوع الدين والتدين والروحانية سواء على مستوى اجراء البحوث أو على مستوى ممارسة العلاج النفسي. يشير جوهانسن (Johansen, 2010) الى أنه في فترة ستين عاما (أي ما بين 1900 والى 1959) نشر ما مجموعه 3803 مقالا حول الدين والروحانية في الأدبيات النفسية، بينما في فترة ستة أعوام فقط (ما بين 2000 والى 2006) نشر ما مجموعه 8193 مقالا حول هذين الموضوعين!

أن هذه الأرقام تؤكد ما ذهب اليه أتن ورفاقه ( Aten, O’Gardy & Worthington, 2012: 2) حينما كتبوا: "بشكل عام في الثلاثين السنة الماضية، طرأت تغييرات جمة في مجال علم النفس. فلم يعد الدين والروحانية مواضيع هامشية يتم التعامل معها على أنها ممنوعة. بل لقد أجري عدد كبير من البحوث في مجال علم النفس الديني  والروحي بحيث حدا ببعض الباحثين المشهورين في هذا المجال أن يعتقدوا بأن الدين والروحانية سيشكلان قوة خامسة ضمن قوى علم النفس المعاصر". إذا أعتبرت مدرسة التحليل النفسي قوة أولى، والسلوكية قوة ثانية، والمعرفية قوة ثالثة والانسانية قوة رابعة.

ما الأسباب الداعية لدراسة الدين من جانب الباحثين النفسيين؟ يرى رالف هود ورفاقه ( Hood, Hill & Spilka, 2009:1) أن الاجابة على هذا السؤال بسيطة وهي: لأن الدين مهم لدى كثير من الناس وأن هناك أنماط مثيرة من السلوك الديني وأن الدين أصبح جزءا لا يتجزأ من الوجود الانساني.

أن هذا الاهتمام المتزايد بمواضيع الدين والروحانية يتجاوز البحوث والدراسات النظرية والميدانية الى مجال العلاج النفسي. ففي دراسة أجراها ديلاني، ميلر وبيسونو (Delaney, Miller & Bisono, 2007) على أعضاء الجمعية النفسية الأمريكية (APA) العياديين وجودوا بأن نسبة 82% من العينة ممن اشتركوا في الدراسة يعتقدون بأن الدين مفيد وأشارت نسبة 7% فقط منهم الى أن الدين مضر لصحة الانسان النفسية.

أن هذا التحول في تصور الباحثين والمعالجين النفسيين الغربيين لدور الدين وأهميته في الصحة النفسية وقاية وعلاجا، لا يقابله تطور مماثل عند الباحثين النفسيين العراقيين. مع أن المتتبع لتطور الاهتمام بمواضيع علم النفس الديني في العراق في العقدين الأخيرين يلحظ تغييرا سواء في الاتجاه نحو الدين أو في اجراء بحوث تتناول الدين، والاسلام خصوصا، الا أن كاتب هذه السطور لم يلحظ محاولة علمية جدية تتناول امكانية إدخال علم النفس الديني ضمن مناهج أقسام علم النفس في الجامعات العراقية أو تأسيس مراكز بحوث مشتركة نفسية ودينية. نتيجة لذلك، لم يلحظ محاولة علمية جدية، في إدخال الدين بوصفه عنصرا من عناصر العلاج النفسي. فإذا كان الدين مفيدا للصحة النفسية ويمكن استخدامه في العلاج النفسي بشكل ايجابي، كما يشير اليه كثير من نتائج البحوث النفسية الميدانية، فإن اهماله يعني اهمال عامل مفيد للمريض النفسي. وهذا يتعارض مع أخلاقيات العلاج النفسي التي تشدد على الاهتمام بكل ما من شأنه أن يفيد المريض!

ومما يزيد من الدهشة أن الدين أغلبية المجتمع العراقي، أي الإسلام، يضم في ثنايا تراثه ونصوصه المقدسة كثيرا من الاشارات والأفكار التي يمكن التعامل معها بوصفها مواضيع للبحوث النفسية الجدية و أن أغلبية المجتمع العراقي يعتبر نفسه متدينا، بشكل من الأشكال.

إن اهمال الدين في مجال علم النفس دراسة وعلاجا ناتج عن عدد من الأسباب أذكر أهمها أدناه:
1- سيطرة مبادئ مدارس نفسية معينة وبالأخص مدرسة التحليل النفسي أو السلوكية على أغلب أفكار الباحثين النفسيين. ومعروف أن اتجاه هاتين المدرستين نحو الدين كان سلبيا الى حد بعيد. ففرويد أعتبر الدين وسوسا قهريا جماعيا والتوجه المادي للسلوكية التقليدية يرفض كل شكل من أشكال الدين والروحانية القائمة على الغيبية.
2- أن الأنظمة العلمانية التي حكمت البلاد لعقود لم تكن تشجع على توسيع دائرة الدين علميا واجتماعيا لتصورها أن هذه التوسعة ستضر بأسسها الأيديولوجية الهادفة الى تقليص دائرة الدين والتدين قدر الامكان سواء على المستوى الفردي أوالجماعي.
3- ضعف التواصل بين الباحثين النفسيين العراقيين وغيرهم من الغربيين خصوصا في عقدي الثمانينيات والتسعينيات مما أحدث فجوة في معارفنا النفسية بحثا وعلاجا. يتذكر كاتب هذه السطور أنه عندما كان طالبا جامعيا في عقد الثمانينيات، لم يكن يعثر على كتاب في علم النفس من مؤلفين عراقيين يتناول موضوع الدين! كان الباحثون النفسيون في مصر سباقين في تناول هذا الموضوع في ذلك العقد. 
4-  سيطرة تصور مفاده أن التعامل العلمي مع الدين هو من اختصاص علماء الدين حصرا ولا يجوز لغيرهم، ومن ضمنهم الباحثين النفسيين، الخوض فيه الا اذا غيَروا تخصصهم وتحولوا على علماء دين. أن هذا الفصل الصارم بين المجاليين العلميين تحول الى نوع من العداء المخفي حينا والعلني أحيانا. وهذا التصور قائم على فكرة مفادها أن دراسة الدين تجرنا الى قضية صحة الدين، معتقدات وعبادات. وهذه القضية لا تدخل ضمن مجال اهتمام علم النفس بحال.
5- أن كثيرا ممن توجهوا لدراسة علم النفس لم يكونوا من ذوي خلفية علمية دينية أصلا وان امتلكوا خلفية دينية ما، تكلف المنهج الدراسي والمدرسون بمقاومة أية محاولة للدمج بين علم النفس وتلك الخلفية الدينية.
أن بعضا من الأسباب المذكورة أنفا قد انتفى الان فقد ظهرت مدارس أخرى انتقدت كثيرا من تصورات مدرسة التحليل النفسي والسلوكية التقليدية. ومن المجال السياسي، لم يعد النظام السياسي الحاكم في العراق يعادي التوجه الديني. وقد بدأت العلاقات بين الباحثين العراقيين النفسيين وأقرانهم الغربيين تتوطد وقنوات التواصل تتزايد.
 
 
 
  
Copyright ©, All Right Reserved.