المقالة‌
الجذور التاريخية للعلمانية في كردستان(1)
التأریخ: 30/11/2017
مشاهدة:  19

أ.د. فرست مرعي

العلمانية ذلك المصطلح الذي أثار من الجدل والصراع منذ بداية القرن العشرين ما لم يثره مصطلح آخر في المجتمعات الإسلامية؛ حتى غدت ثنائية العلماني والإسلامي أكثر الثنائيات تداولاً، وأعتاها تأبيًا على التجاهل أو التناسي، فضلاً عن الإهمال والتلاشي، والمجتمع الكردي، أو بالأحرى كردستان، لم تكن بدعًا في هذا المجال.
كانت غالبية أراضي كردستان واقعة تحت حكم دولة الخلافة العثمانية، وكان يطلق عليها (كردستان العثمانية)، فيما كان الجزء الأصغر واقعًا تحت سيطرة  الدولة القاجارية، ويطلق عليها (كردستان الإيرانية).

وعندما بدأت الأفكار الأوروبية الحديثة الخاصة بالعلمانية والديمقرطية والقومية تصل تباعًا الى عاصمة الخلافة العثمانية (الأستانة – إستانبول)، فلا غرو أن تأثر بها المثقفون الكرد من موظفين وضباط وطلاب المعاهد العالية، كما أن سيطرة جمعية الإتحاد والترقي على مقاليد الأمور عام 1908- 1909م، وعزل السلطان عبد الحميد الثاني، والمناداة بالجنس التركي، كل ذلك أفضى الى تساؤل النخبة المثقفة الكردية وغيرها عن مدى شرعية هذه الدولة التي كانوا لا يزالون يعدونها دولة الخلافة التي يجب عليهم إطاعة أوامرها في حدود الشرع الإسلامي.

ظهور الجمعيات الكردية

يبدو جليًا أن أول جمعية كردية قد ظهرت في تلك الحقبة عام 1908م، وهي: جمعية التعاون والترقي الكردية، التي كان جل أعضائها من أبناء رؤساء العشائر ومن المثقفين الكرد، وكانت مبادئها تجمع بين الإسلام والقومية، وقد بعث مؤسسوا الجمعية رسالة الى السفير البريطاني في الأستانة تضمنت الأسباب التي دفعتهم الى تشكيل الجمعية، مطالبين منه إشعار حكومته بذلك، ودعوتها الى تقديم العون والمساعدة للشعب الكردي لتحقيق أهدافهم. ومع ذلك فإنها كانت تتوقع مد يد العون من فرنسا في تلك الحقبة، لأنهم كانوا متأثرين الى حد ما بالأفكار الديمقراطية لمباديء الثورة الفرنسية (حرية – إخاء – مساواة) نتيجة العلاقات التاريخية بين الباب العالي والحكومة الفرنسية، واعتماد النظام القضائي العثماني على التشريعات الفرنسية والسويسرية بعد إقرار نظام الإصلاحات العثماني الذي أقر في منتصف القرن التاسع عشر، جراء ضغوط أوروبية بشأن كيفية التعامل مع الأقليات غير الإسلامية واعتبارهم مواطنين؛ كل ذلك مما زاد من جرعات المنتجات الحضارية غير الإسلامية في الساحتين السياسية والثقافية للمثقفين المسلمين العثمانيين من شتى الأعراق: التركية والعربية والكردية وغيرها.

وفي التاسع من شهر آب 1912م قرر بعض الطلاب الكرد الدارسون في معهد (خلق ألي زراعي) وأكاديمية الطب في إستنبول تأسيس جمعية (هيفي الكردية- أمل الكرد)، وكان لعائلة (جميل باشا) من ديار بكر الدور الأساسي في تأسيس هذه الجمعية التي كان لها دور أساسي في الحياة السياسية الكردية فيما بعد، وفي إيقاظ الشعور القومي الكردي. وعقدت الجمعية مؤتمرها الأول في مدينة لوزان السويسرية في عام 1913م وانتخب فيها (ممدوح سليم) سكرتيرًا للجمعية، الذي هاجم في كلمته الإفتتاحية مواقف بعض رؤوساء العشائر الكردية تجاه القضية القومية، كما انتقد الدعوات المطالبة بعدم تدخل الشباب الكردي في السياسة. وعلى الرغم من القيود التي فرضتها السلطات العثمانية على جمعية هيفي؛ إلا أن أعضائها قرروا مواصلة نشاطهم الثقافي والسياسي بهدف تعريف الشعوب العثمانية بالهوية الكردية، فأصدروا في نفس العام (1913م) مجلة (روزي كورد- شمس الكرد) التي كانت ذات اتجاه قومي وثقافي في آن واحد، حيث تناولت في أعدادها الصادرة طبيعة الحركة الكردية ونضال الشعب الكردي من أجل الحرية والاستقلال ضمن الدولة العثمانية، لاسيما بعد أن سمحت الحكومة العثمانية للقوميات غير التركية بالتعبير عن آرائها.

الى جانب هاتين الجمعيتين، تأسست في الرابع من تشرين الثاني 1913م في كردستان إيران، وبالتحديد في مدينة خوي، جمعية (جيهانداني- العالمية) من قبل (عبدالرزاق بدرخان باشا) هدفها نشر الجانب التعليمي والثقافي بين سكان المدينة، ويبدو أن السبب في تشكيل الجمعية خارج الأراضي العثمانية هو أن عبدالرزاق بدرخان كان ملاحقًا من قبل السلطان العثماني عبدالحميد الثاني بتهمة العلاقة مع روسيا، وفيما بعد ألقت السلطات العثمانية القبض عليه سنة 1916م في مدينة رواندوز في كردستان العراق، وحكمت عليه بالإعدام بتهمة التخابر مع دولة أجنبية (=روسيا القيصرية).

ومن الجدير بالذكر أن حزب خويبون (=الإستقلال) يعتقد بأنه أول حزب كردي قومي ليبرالي، تأسس عام 1927م في مدينة بحمدون اللبنانية، عبر توحيد أربعة منظمات كردية، بدعم أرمني وفرنسي، وكان من أبرز قادته الأمراء من أسرة بدرخان باشا: (جلادت بن أمين عالي بن بدرخان باشا) وأخيه (كاميران بدرخان)، وبعض الشخصيات من أسرة جميل باشا وبعض رؤوساء العشائر الكردية المتنفذة في سوريا، وبهذا الصدد فإن زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (=عبدالرحمن قاسملو- قتل عام 1989م على يد المخابرات الإيرانية في النمسا) هاجم هذا الحزب بقوله: "... وبالنظر لضيق مصالح قادة الحزب (=خويبون) لم يناشد الحلفاء الحقيقيين (=الإتحاد السوفيتي)، بل اعتمد على تأييد الدول الاستعمارية (=فرنسا) التي كانت ترى المسألة الكردية وسيلة للضغط السياسي على تركيا...".
وفي السياق نفسه، فقد تأسس حزب (هيوا- الأمل) المحافظ، من شخصيات عشائرية ومثقفين في كردستان العراق عام 1939م، بزعامة (رفيق حلمي) ذي الميول البريطانية.

أسباب تغير أيديولوجيات الأحزاب الكردية من الليبرالية الى اليسار:
هناك أسباب عديدة لتغير أفكار وأيديولوجيات الأحزاب والمنظمات الكردية تباعًا من الليبرالية الى اليسار أثناء سنوات الحرب العالمية الثانية وما بعدها، يبدو أن أهمها خسارة النازية بقيادة هتلر وبروز الإتحاد السوفيتي كقوة عظمى مؤثرة، والتي كان الحزب الشيوعي يقود مقاليد الحكم فيها، وقرب كردستان جغرافيًا منه، والدعم السوفيتي للقوى الديمقراطية (=اليسارية) في كردستان إيران على حد تعبير السياسي الكردي الإيراني (عبد الرحمن قاسملو)، حينما تأسس الحزب الديمقراطي الكردي في جمهورية مهاباد في كردستان إيران، عام 1945م، وما تلاها من تأسيس الحزب الشقيق له (=الديمقراطي الكردي) في كردستان العراق في 16 أب/ أغسطس، عام 1946م، حيث كانت مصطلحات الماركسية والاشتراكية واضحة في بنود وبرامج هذه الأحزاب التأسيسية الكردية، التي كانت غالبيتها أو جلها الأعظم ماركسية أو يسارية، لأنها تشكلت من تيارات و حركات شيوعية أو يسارية، لاسيما بعد انتصار الإتحاد السوفيتي على ألمانيا الهتلرية، عام 1945م، وتأسيس جمهورية مهاباد في كردستان إيران، عام 1946م، المدعومة سوفيتيًا، بعكس الحقبة الأولى، حيث كانت غالبية الأحزاب والمنظمات الكردية قومية محافظة أو ليبرالية، تعتمد على دعم المستعمرين البريطاني أو الفرنسي.

كما لا يمكن نسيان دور الحزب الشيوعي العراقي (=تأسس عام 1934م) وفرعه الكردي (=شورش- الثورة) في الترويج للفكر الماركسي- اللينيني (=الإلحاد) ومعاداة الإسلام كدين ونظام معًا، عن طريق التهجم على علماء الإسلام (=الشيوخ والملالي)، واعتبارهم سند الرجعية، في حين أن الأحزاب الليبرالية تعادي الإسلام كنظام حياة، وتنادي بفصل الدين عن الحياة.

لذا فإن المراقب والمتتبع يرى بوضوح بأن العلمانية التي تنادي بها الطبقة الحزبية والمثقفة على الأبجديات الماركسية – اللينينية والماوية هي علمانية متشددة (=لائكية) على الطراز الفرنسي أو الأتاتوركي التركي؛ التي تحاول استئصال جذور الإسلام من كردستان، بشتى السبل؛ حتى وصل الأمر بها الى إتهام الإسلاميين المعتدلين بالإرهاب! بل واتهام الإسلام وعقائده وتشريعاته بالتخلف والظلامية! الى غيرها من مفردات قاموسهم الأسود.
وللأمانة فإن الأفكار العلمانية قد غزت المجتمع الكردي، مثله في ذلك مثل بقية المجتمعات الإسلامية المحيطة به، لأسباب عديدة قد لا يكون المجتمع الكردي بدعًا في هذا المجال، فضلاً عن ذلك أن الأحزاب الكردية العلمانية بشتى أصنافها من قومية ويسارية (=إشتراكية وماركسية) كان لها دور كبير في تعزيز القيم المناوئة للإسلام دينًا ونظام حياة، خاصة بعد سيطرتها على مقاليد الأمور في كردستان العراق، اعتبارًا من سنة 1992م ولحد كتابة هذه الأسطر.

ويبدو واضحًا أن الحزبين الرئيسيين الديمقراطي الكردستاني(= حدك) والإتحاد الوطني الكردستاني(=آوك)، وبعيدًا عن صراعهما على السلطة، كانا في مواجهة الإسلاميين منهمكين في نضال خفي حول التوجه الذي يجب أن تتخذه الحركة القومية الكردية، وكذلك حول تحديد هوية وتوجه حكومة إقليم كردستان العراق، فالقيادة الكردية كانت تتباهى دائمًا بتزعمها حركة قومية علمانية ديمقراطية. وبالفعل كما يوضح أحد الباحثين العراقيين الماركسيين(=فالح عبدالجبار):" فإن الفكر القومي الكردي كان يتميز بصبغة إثنية علمانية تتناقض تناقضًا صارخًا مع الفكر الإسلامي الذي انتشر في العالم العربي... وأصبحت مقاتلة الإسلاميين المتشددين مشروعًا مشتركًا ل(حدك) و(آوك) للفوز بدعم الكرد من ذوي الفكر العلماني، والنجاح في نفس الوقت، في تحسين صورة الكرد في أعين الولايات المتحدة وتوحيد الصفوف معها عشية حرب العراق".
 




 
 
 
  
Copyright ©, All Right Reserved.