المقالة‌
الجذور التاريخية للعلمانية في كردستان(2)
التأریخ: 30/11/2017
مشاهدة:  17

أ.د. فرست مرعي



  في عام 2002م أعلن برهم صالح رئيس حكومة إقليم كردستان/ إدارة الإتحاد الوطني الكردستاني: "أن كردستان ستصبح منارة للديمقراطية في المنطقة". وعلى السياق نفسه ذكرت صحيفة Kurdish Globe في 9 أيار 2007م: "بدأت في أيار/ مايس 2007م حملة جمع تواقيع دعمًا لفكرة علمنة دستور إقليم كردستان (=العراق)".
وعلى الوتيرة نفسها، تقول ناشطة كردية في مجال حرية المرأة (=هوزان محمود) في لقاء مع صحيفة (هاولاتى- المواطن) في عددها الصادر في 31 آذار/ مايس 2010م، والتي تصدر في مدينة السليمانية: "إن قانون الأحوال الشخصية الحالي يحافظ على العادات الأبوية والدينية المحافظة والتي فيها تمييز ضد المرأة. لقد فشلت الحكومة فشلاً ذريعًا في مجال تحقيق المساواة وحقوق المرأة والحقوق والحريات الفردية. فهم يصرون على تطبيق الشريعة الإسلامية والمحافظة على التقاليد القومية والقبلية والدينية بدلاً من القانون العائلي المعاصر. إن مشكلاتنا الأساسية تكمن في الطبقة الحاكمة التي تقسم المجتمع على أساس الجنس والدين والقومية والعرق".

وهذه الحملة التي قادتها ناشطات كرديات أخريات، بدعم خفي من الأحزاب العلمانية الكردية الحاكمة وغير الحاكمة، بالإضافة الى الجمعيات الغربية المطالبة بحقوق المرأة، وعن حملة منظمة بواسطة الإعلام المرئي والمسموع والمقروء، فضلاً عن المنتديات الثقافية والمحاضرات الأسبوعية المتنوعة للطبقة المثقفة كاتحاد الأدباء والكتّاب وغيرهم، التي كانت تتهجم على ثوابت الإسلام دون خوف أو وجل، في الوقت الذي كان الرقيب يحسب كل همسة أو نسمة تخص الأقليات الدينية غير الإسلامية بالويل والثبور وعظائم الأمور؛ ما جعل البرلمان المحلي (=المجلس الوطني الكردستاني) يحاول إصدار تشريعات قانونية تتنافى مع ثوابت الإسلام، كمنع تعدد الزوجات التي كانت محل استياء التيار الإسلامي والتقليدي على استحياء، رغم تقاطعه التام قانونيًا ودستوريًا مع الدستور العراقي الذي أقره حوالي 78% من سكان العراق بما فيه إقليم كردستان، حول عدم إصدار أي قانون يتعارض مع بديهيات الإسلام وثوابته.

كما يجب أن لا ننسى جهود المنصرين (=المبشرين) البروتستانت والكاثوليك في الترويج لبضاعتهم في كردستان العراق، لا سيما بعد حرب الخليج الأولى والثانية. وكانت الحكومة المحلية الكردية تمنح قطع أراضي لهؤلاء المنصرين لبناء كنائسهم ومدارسهم التنصيرية عليها، وتمنح مؤسساتهم الموافقات الأصولية لفتح المعاهد والمدارس والمكتبات، وطبع الكتب باللغات العربية والكردية بلهجتيها الرئيستين (الكرمانجية الشمالية والجنوبية)، وإن الكثير من أبناء المسؤولين يتعلمون في هذه المدارس التنصيرية وغيرها من المدارس الأجنبية المتواجدة في الإقليم رغم خطورتها على النشء بحجة تعليم اللغة الإنكليزية. حتى وصل الأمر بأحد المسؤولين الكبار في حكومة الإقليم الى القول: "إنه يحب أن يرى كردًا دخلوا في المسيحية على أن يراهم مسلمين متشددين".

ومن الجدير بالإشارة الى أنه تم فتح جامعتين أمريكتيتين في مدينتي السليمانية ودهوك على التوالي، وتم صرف مبالغ طائلة لإنشاء بنايات ومنشآت الجامعتين من ميزانية الحكومة المحلية ومن الهبات والتبرعات التي أغدق عليه بعض أغنياء مدينة السليمانية تحديدًا، وهاتان الجامعتان تذكران بجامعتي بيروت والقاهرة التي أنشأها المرسلون البروتستانت الأمريكيون في العالم العربي، الأولى في بيروت قبل أكثر من قرن، لإنشاء جيل جديد يتربى على قيم وأخلاق الغرب ولكي يتبوأ مكانه في عملية قيادة المجتمع العربي فيما بعد، والأمر كذلك بالنسبة للمجتمع الكردي بعد قرن كامل تقريبًا.

وفي الثامن من شهر كانون الأول/ ديسمبر عام 2015م تم، ولأول مرة على مستوى الشرق الأوسط، تم إفتتاح الجامعة الكاثوليكية في بلدة عينكاوه المسيحية إحدى ضواحي العاصمة أربيل، برعاية السيد نيجيرفان بارزاني رئيس حكومة إقليم كردستان.. وتستطيع هذه الجامعة الإستفادة من خدمات (215) جامعة كاثوليكية، والتي توجد في أكثر من 65 دولة حول العالم، كما جدد التأكيد على أن هذه الجامعة مفتوحة للجميع  ولا تفرق بين أي طالب يدرس فيها. كما عبّر المطران بشارة وردة، رئيس أساقفة أربيل، عن شكره لرئيس إقليم كردستان، مسعود بارزاني، ورئيس حكومة الإقليم نيجيرفان بارزاني، والمسؤولين لدعمهم فتح الجامعة الكاثوليكية.

ومن جهة أخرى فإن إلهيآت التنصيرية تحاول بشتى السبل الضغط على المؤسسات التشريعية والتنفيذية ومنظمات المجتمع المدني في إقليم كردستان العراق، بقصد تغيير قانون الأحوال الشخصية المبني على الشريعة الإسلامية، للسماح للكرد المرتدين (المتنصرين) لتغيير هويتهم الإسلامية الى الهوية النصرانية، وكذلك الأمر بالنسبة لعوائلهم التي تنصرت، ومن ثم جعله قانونًا ساري المفعول في - إشارة الى حرية المعتقد والضمير- وعدم اعتبارهم مرتدين وفقًا لأصول العقيدة الإسلامية التي لا تزال سارية المفعول في جميع أنحاء العراق، بما فيها إقليم كردستان. 

مسارب العلمانية في كردستان:
لا يمكن إجراء أي مناقشة للتاريخ السياسي الكردي أو لغيره من الشعوب العثمانية، أو للأفكار القومية أو العلمانية من دون ذكر الجمعية العثمانية  -الفتاة- التي كانت شديدة التأثر بالمفكرين الفرنسيين الذين سبقوا الثورة الفرنسية الكبرى، وكانت أعمال هؤلاء قد ترجمت قبلئذ الى اللغة التركية، مثل جان جاك روسو ومونتسيكيو، وسواهما. وكانت النزعة القومية الليبرالية عند جماعة (العثمانية الفتاة) ما تزال متلبسة لبوس المفاهيم الإسلامية التقليدية.
وعلى سبيل المثال فإن (علي سوافي) أحد مفكري جماعة (العثمانية الفتاة) دعا الى القيام بـ "إصلاح ديني بوصفه نقطة إنطلاق إحياء الدولة الإسلامية والقانون الإسلامي". ونجد أن هذه الجماعة شرحت أن "حب الوطن من الإيمان" اعتمادًا على الحديث النبوي (=مشكوك في صحته)، مثلما أكدت أن الدستورية ليست سوى مبدأ الشورى في ثوب آخر. وكان هذا التداخل بين الديني والدنيوي سببًا في توصيف علي سوافي بأنه (لاهوتي ليبرالي) أو (ثوري معمم). وأن هذا المثقف بالذات هو الذي قطع الصلة بالوطنية العثمانية، مباشرة عقب الحرب البروسية- الالمانية – الفرنسية عام 1870م، لينتقل بالكامل الى مفهوم القومية (التركية) المختلف عن الولاء الإسلامي العثماني. وهذا ما أفصحت عنه بوضوح (جمعية تركيا الفتاة) التي خلفتها.

توجت هذه الحركة أو الثورة، كما تحلو للاتجاهات العلمانية تسميتها، بسنوات كثيرة من النشاط السري في الدولة العثمانية، بعد انبثاق جمعية الإتحاد والترقي منها، والتي كان أتباعها من أصول قومية متنوعة وذوي مطامع متناقضة غالبًا. إلا أنه على الرغم من هذه الفروق؛ كان يوحدهم إعجابهم المشترك بالمؤسسات الغربية وكراهيتهم الشديدة للسلطان العثماني عبد الحميد الثاني، وكان الأعضاء الرئيسيون للجمعية الذين هربوا من الدولة العثمانية واستقروا في أوروبا، متشبعين بالأفكار الاجتماعية والسياسية الغربية، وكانوا متأثرين خاصة بأفكار المساواة والتحرر التي دعت إليها الثورة الفرنسية عام 1789م والنزعة القومية المتشددة بعيد عام 1848م، إثر صعود الحركات القومية الألمانية والإيطالية وقتذاك في سبيل تحقيق الذات القومي في أمة– دولة، ومذهب الوضعية الكونتية (نسبة الى المفكر الفرنسي أوغست كونت).

وتأثرت جمعية الإتحاد والترقي، بوصفها منظمة تآمرية سرية، بعدد من الجمعيات السرية الأوروبية خصوصًا: الكاربوناري الإيطالية، والمنظمة الثورية المقدونية الدولية، والماسونيين.
هذه الحركة، كما هو معروف، طورت اتجاهين: لا مركزي، يستهدف إعطاء المجموعات الإثنية (=القومية) غير التركية حقوق استقلال ذاتي (بما في ذلك العرب والكرد)، واتجاه آخر مركزي متشدد (=الإتحاد والترقي) ويركز على الإصلاح الدستوري للدولة المركزية.
 
 
 
  
Copyright ©, All Right Reserved.