المقالة‌
شكرًا ستيفن هوكنك
التأریخ: 23/12/2017
مشاهدة:  313

د. أمجد محمد علي



دوّت في أرجاء المجتمعات المتدينة قبل مدة، ولا زالت صيحات متتابعة تردد مقولة، كان البروفيسور "ستيفن هوكنك" قد ختم بها كتابه المشهور (التصميم العظيم)، مفادها أن خلاصة ما توصل إليه ذلك الأستاذ الكبير في دراساته وأبحاثه في عمق نظريات الفيزياء الكونية، هي أن الكون ليس بحاجة إلى إله ليكون موجودًا! أي أن الكون، بمعنى آخر، وُجِدَ من دون إله!
وسارع حينها ـ وإلى الآن ـ  شيوخ الدين من أنحاء المعمورة، للبحث فيما جاز من الأدلة والبراهين التي تحاول النيل من تلك الفكرة أو ذلك الاستنتاج، وكان بعضها يعتمد أسسًا علمية معتبرة في تحليل ذلك الرأي وتمحيصه، فيما تجاوز جزء منها حدود الأدلة العلمية الى استدلالات دينية قليلة الأثر، بل بلغ ببعضها الأمر الى النيل من مقام ذلك العالم الكبير والهجوم عليه بحق أو بغيره من أجل النيل من نظريته واستنتاجه الذي أزعج بعض الدعاة.

وفي الجبهة المقابلة "جبهة الإلحاد" سارع كُهان الإلحاد واللاأدرية إلى التطبيل لتلك النظرة الحديثة لعالِمٍ يُعدّ من أكبر العقول الحية في العالم، إن لم يكن أكبرها، لائِذين بذلك الاستنتاج، ومتشبّثين به، كدليل دامغ وقاطع يؤيد رأيهم في موضوع، طال نقاشهم ومرائهم فيه لمناوئيهم في جبهة المؤمنين.
     وكأنّ هذا الشيخَ الهَرِمَ قد أتى أخيرًا بما عجز عنه سابقوه ممن تفتّقت عنهم قمم العلم في سالف العصور والأزمان، متناسين أن مثل هذه الدعاوى ليست جديدة، بل إنها تتكرر كل حين وعصر، وليس في علوم فيزياء الفلك وحدها، بل من علماء آخرين من مختلف علوم الطبيعية، وفي كل مرة تبدأ هذه الدعوة بالقوة ذاتها ومن أشخاص هم من المرتبة عينها، إلا أن تلك الدعاوى لا تلبث أن تَشحَبَ وتتصدّع بأفكار ونظريات، ثم تندثر هذه الصيحة، لينهض الإيمان بالغيب مرة أخرى مكتسيًا حلة جديدة، مضيفًا إليه جمال الانتصار على النظرية أو الفكرة الأخرى، وهكذا دواليك، في صراع يستمر إلى ما شاء الله.

ولسنا هنا بصدد الخوض في أدلة أي طرف، ترجيحًا أو دحضًا، فرغم كون العبد الفقير ليس من حملة العلم الشرعي ولاحظَّ له في مناقشة أبوابها أو مجادلة أساتذتها، إلا إنني لا أرى الولوج في ذلك الباب موضوعًا أو حاجة ( للمدافعين عن جبهة الإيمان)، بل إنه ربما ينبغي وجوبُ التحذير من استدراج أهل هذا الدين، علماءَ وطلابًا ودعاة، الى التغلغل في ساحة حرب لا حاجة لهم فيها للنزول الى معتركها، هذا فضلاً عن أنهم، وبكل أسف، مقلّون في علومها وزاهدون في معارفها، مما يُدنيهم من السقوط في الساحة صرعى مجندلين بعد نزال سريع أو اشتباك بسيط!
فهذه المنازلة، من هذه الزاوية التي سنحاول إيضاحها بإذن الله، ليست مما نختلف فيها مع أعتى المدافعين أو المهاجمين في جبهة الإلحاد! وللسائل أن يسأل: كيف وقد ملأ هؤلاء آذاننا بنفي وجود الخالق الكريم، بل ونفي الحاجة الى وجوده أصلاً في خلق الكون، معتمدين في ذلك على أدلة رياضية علمية لا تقبل الخطأ (على حد ظنهم وزعمهم) مستندين الى تجارب متعددة تتكرر فيها النتائج ذاتها مرارًا؟!

وللإجابة عن ذلك السؤال، لابد من الإشارة أولاً الى المغزى الذي يريده هؤلاء العلماء (هذا إن صدقوا) في بحوثهم، ومن ثم استنتاجاتهم، والتي هي على الأغلب البحث عن اثبات وجود الله (الخالق) بدليل علمي تجريبي قطعي لا يقبل الشك والجدل، وهذا ليس مبتغى هؤلاء العلماء من تلك الجبهة فحسب، بل هو، وفي الوقت ذاته، مراد أغلب المفكرين والعلماء، بل والعامة من الجبهة المقابلة (جبهة المؤمنين) أيضًا! سواء أظهروا ذلك ام أضمروه.
الإيمان في الأديان عمومًا يقوم (بالاجماع) على الإيمان بالغيب، أي الإيمان بوجود إله خالق للكون مدبّر له بالغيب لا بالشهادة، فإن كان الإيمان عبر أدلة قطعية من عالم الشهادة ما شمل ذلك مسمى الإيمان بمفهومه الديني، ولما استوجب ذلك أجرًا من الله في هذه الدار أو الدار الأخرى، أي أن وجود الأدلة القطعية على وجود شيء يخرجه عن معنى الإيمان الديني (الغيبي) الذي يختبر الله به عباده (في الأديان) الى إيمان (مشهود) كالإيمان بوجود الشمس والأرض والناس وغيرها من الموجودات التي تقوم على وجودها أدلةٌ محسوسةٌ يقينيةٌ لا شك فيها، ومن ذلك وصفه سبحانه وتعالى المؤمنين به بـ (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (البقرة، ٣))، وكذلك ما أكّد –تعالى- عليه في وجود المغفرة والأجر الكبير للمؤمنين بالغيب (لا بالشهادة) في قوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (الملك)١٢)، وهذا مبتغى الأديان كلها (السماوية منها على الأقل) وربما لا يسمح هذا المقام بسرد الأدلة من باقي الكتب السماوية للدلالة على كون الإيمان بوجود الله الخالق هو إيمان بالغيب. وقد نؤجل ذلك الى مقام آخر في مقال آخر.

ونعود هنا الى إشارة قرآنية رائعة، الى تكرر هذه الدعوى من أهل جبهة الإلحاد، أي دعوى طلب دليل قطعي ملموس لا شك فيه على وجود الله تعالى، أو على صدق رسالة نبيه (أو أنبيائه) في كل زمان ومكان تقابل فيه الفريقان أو الجبهتان، وذلك في قوله تعالى: ( وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُنْتَظِرِينَ (يونس،٢٠))، وكأنه -سبحانه وتعالى- يشير، أو ينبّه الى ذات السلاح الذي يستخدمه هؤلاء في كل زمان لمحاولة إحراج أبناء جبهة الإيمان بطلب إظهار أدلة ليس في وسعهم إظهارها، مشيرًا الى أن ذلك من الغيب الذي انفرد بعلمه هو -سبحانه وتعالى- ولن يُطلِع عليهِ أحدًا (عَالِمُ الغَيبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أحَدًا (التكوير،٢٤))، فمن شاء فعليه أن يؤمن بالغيب كما هو، وإلاّ فهو حر بالبقاء في الجبهة الأخرى ((فَمَن شَاءَ فَليُؤمِن وَمَن شَاءَ فَليَكفُر(الكهف،٢٩))، ولينتظر الدليل القطعي، الذي سيراه قطعًا حين وصوله الى عالم الغيب بنفسه عند موته الذي لا يشك فيه هو ذاته (المُنكِر)، (فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُنْتَظِرِينَ)! وقد سأل بنو اسرائيل ذلك من قبل بأسلوب مباشر ودون لف أو دوران، فطلبوا منه رؤية الله جهرة! فكانت النتيجة صاعقة! (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ (البقرة55))  فالدليل القطعي على عالم الغيب لا يكون إلا في عالم الغيب، وإن حدث وظهر بشكل من الأشكال في عالم الشهادة، فإنما هو إشارة الى خاتمة النزال بين الفريقين وانتهاء الانتفاع بالإيمان بعدها، إذ لا يعود الإيمان بعدها إيمانًا بالغيب، بل هو إيمان بالشهادة، كآية شروق الشمس من مغربها، الذي أشارت إليه الأحاديث الصحيحة كخاتمة لعلامات الساعة،

منهية لصراع الإيمان والكفر، مؤكدة على أن الإيمان بعدها لن يعود نافعًا لأصحابه، لانعدام أهمية الإيمان بالغيب عندها لتحوله الى إيمانٍ بالشهادة، الذي لا يغني عن صاحبه شيئًا، وهو كإيمان من دخل عالم الغيب (بعد موته) فلا نفع لإيمان الاثنين (الذي دخل عالم الغيب بموته، والذي رأى أدلة من عالم الشهادة على وجود عالم الغيب)! ويعلمنا القرآن، مرة أخرى، باشارة دقيقة واضحة صريحة، الى ذات المسألة، مؤكدًا على تأخر مثل هذه الآيات الى حين ينبغي انتظارها، فإذا ظهرت هذه الآيات فإنها ستكون منذرة بنهاية النزال وانتفاء الحاجة الى الإيمان بعدها: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلائِكَةُ أو يَأْتِيَ رَبُّكَ أو يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أو كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلْ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ)، والى ذلك اليوم فإن الانتظار هو السبيل الوحيد المتاح للجميع!

وينبغي هنا التأكيد على أن انتظار علماء الفلك أو الفيزياء، أو غيرهم، ليأتوا بدليل قطعي من معادلة نظرية أو غيرها يشير، بشكل قطعي، إلى وجود خالق الكون أو ضرورة وجوده، ما هو إلا انتظار للآيات والأدلة ذاتها التي أشار إليها الله تعالى في الآية السالفة الذكر، التي تدل دلالة قطعية عليه -سبحانه وتعالى- ولكن هذا بعيد.. ولا سبيل إليه إلا الانتظار مع المنتظرين، وإن ظهر ذلك يومًا فإنه سيكون من الآيات التي تنهي صراع الفريقين نهائيًا، بنهاية الحاجة للإيمان الى الأبد.

وهذا لا ينافي قطعًا الإشارات المتكررة والمتتالية الى التفكّر في آيات الخلق والقدرة والتدبير والحكمة الإلهية الظاهرة في مخلوقاته، والتي تسود في القرآن الكريم، داعية الى التدبر والتفكر والسير والنظر، إلا أن هذه الآيات هي إشارات وأدلة مجازية على وجود الخالق -تبارك وتعالى- وليست من النوع التي يمكن أن تكون دليلاً قطعيًا (رياضيًا تجريبيًا) على وجوده -سبحانه وتعالى- كاللتي يريدها الملحدون في كل زمان، والتي أشارت إليها الآيات الكريمة السالفة الذكر.

ولا شك أن كل واحدة من تلك الآيات التي يشير إليها القرآن الكريم، كدليل تفكّري على وجود الخالق –سبحانه- يفسره أبناء جبهة الإلحاد على أنه ليس إلا مظهرًا من مظاهر الطبيعة والوجود "الذي خُلق من غير شيء" كما ذكر هوكنك في كتابه، أو أنه خَلق نفسَه بنفسِه كما ذكر آخرون غيرُه! وكل هذا قد يكون من قبيل سماح الله -سبحانه وتعالى- ببقاء وجهتي النظر المتقابلتين في صراع دائم الى (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ) عندما يشاء الله.

وبعد هذا كله يمكن القول بأن مثل هذه الدعاوى (طلب الأدلة القاطعة) هي ليست مجالاً للبحث أصلاً، ولم تَعِد بها الأديان عامّة، والإسلام خاصة، كما ظهر في كتاب الله العزيز في وضوح تام في أكثر من موضِع، وعليه فإن صرف الوقت والجهد في الردّ على تلك الدعاوى ربما لا تكون إلا استدراجًا الى ساحة فارغة، وهدرًا لطاقة ثمينة، كان يمكن أن تصرف في  محل آخر أكثر نفعًا في طريق الدعوة الى الله.
وأما ما أورده ستيفن هوكنك في كتابه، حول عدم إمكانية إيجاد دليل على كونِ الكونِ بحاجة الى خالق لخلقِه، فهو بالضبط ما ينبغي أن نقوله من خلال ما وعَدَ به القرآن الكريم بعدم ظهور ذلك الدليل لحِكَم أرادها الله تعالى إلى موعد معلوم عنده، مجهول عندنا، لتستمر قيمة الإيمان به بظهر الغيب عالية غالية، تفرق بين الذين يؤمنون قبل ظهور ذلك الدليل وبين الذين يؤمنون بعده.

وتحت هذا الباب أيضًا تندرج جميع الدعاوى الساخرة على لسان منكري وجوده –تعالى-، التي تدعو الله أن يُظهر نفسه من السماء مثلاً! أو أن يفتك بمنكر وجوده ذاك الذي يطلق صرخاته في السماء متحديًا الخالق -تبارك وتعالى- أن يريه آية على وجوده حتى وإن كانت قتله هو!! فالله -سبحانه وتعالى- لن يغير سنته ووعده في كتابه للمؤمنين به بالغيب من أجل دعوى منكر أو صرخاته أو اعتراضاته.

وبقي أن نقول إنه لا يتوقع أحد (حسب المنظور القرآني) من ستيفن هوكنك، أو من غيره من علماء الطبيعة بفروعها المتعددة، أن يخرجوا علينا يومًا بنظرية مدعّمة بالتجارب والمعادلات الرياضية تُثبِت، بشكل مطلق، وجود الله تعالى، أو حتى وجوب وجوده، أو ضرورته لإيجاد الوجود كله.
فيا ليت شعري أن يبلغ أحدهم الأستاذ ستيفن هوكنك بلغته، ويبلغه شديد احترامنا وتقديرنا للجهد الذي بذله في سني عمره الطويلة، رغم ما به من علل جسدية منهكة، ويشكره كثيرًا على كل الذي فعله من أجل تثبيت وتنفيذ، بل وتصديق آيات القرآن الكريم (دون إرادة منه أو رغبة) أكثر مما فعله كثير من المؤمنين وشيوخهم وأساتذتهم على مر العصور.. وأكرر قولي له من كل قلبي: هداك الله أيها الأستاذ القدير وشكرًا.. شكرًا ستيفن هوكنك..
 
 
 
  
Copyright ©, All Right Reserved.