دراسات
دور الإيمان في توجيه السلوك الاقتصادي للمسلم
التأریخ: 27/05/2018
عدد المشاهدات:   171


أ.د. موفق سالم نوري
أستاذ التأريخ والحضارة الإسلامية في جامعة الموصل
كلية الآداب / قسم التأريخ



ملخص البحث
دور الإيمان في توجيه السلوك الاقتصادي للمسلم

  إن من أهم ما يمكن ملاحظته – ولا سيما على المستوى الاقتصادي – ذلك التلازم الكبير بين مفاصل العقيدة ومجمل السلوك اليومي للمرء . وطالما إن الأمر يتعلق بعقيدة موحى بها من الله تعالى ، لذلك لا يمكن أن نتوقع إلا أثراً إيجابياً للإيمان بهذه العقيدة في هذا السلوك اليومي .

وقد تطلب الأمر أولاً البحث في شرعية الصلة بين الإيمان والاقتصاد في إطار التصور الإسلامي . وهو ما أوجب البحث في آي القرآن الكريم وسُنّة النبي (صلى الله عليه وسلم) . ثم تطلب الأمر البحث في طبيعة الإيمان من حيث دلالته والشُعب التي يتفرع إليها ، مع التأكيد بأن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص ، فمثل هذه الجوانب هي التي تنقل الإيمان من مجرد فكرة اعتقادية في الذهن إلى سلوك يومي حقيقي .

ثم تناول البحث مفردات الإيمان الأساسية وهي : الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ثم القدر خيره وشره . بعدها جرى بيان أوجه تأثير الإيمان بتوحيد الله سبحانه في السلوك  من حيث الإيمان بتوحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات . إذ تبين أن ثمة سلوكيات اقتصادية مهمة تحكمها فلسفة توحيد الله سبحانه .
وتطرق البحث بعد ذلك إلى عناصر الإيمان الأخرى وطبيعة مؤثراتها في السلوك الاقتصادي  وقد برز واضحاً أثر الإيمان بالقدر في هذا السلوك ودفعه باتجاه التوازن في مختلف الأنشطة والرغبات والتوجهات ، وبما يحفظ توازن الحياة الفردية والاجتماعية .


استهلال

ما زال الحديث عن ( اقتصاد إسلامي ) يتراوح بين التجاذبات المختلفة ، أي بين الرد والقبول ، ولا سيما إن ذلك يقترن بالحديث عن القيم الأخلاقية ، التي هي بحد ذاتها مثار خلاف حول صلتها بالاقتصاد ، ولكن من ناحية أخرى لا يمكن الفصل بين المناهج العَقَدية ومفاصل الاقتصاد المختلفة في حياة الفرد أو الجماعة . وفي وقت يتم التأكيد باستمرار أن الاقتصاد الإسلامي ليس اشتراكياً ولا رأسمالياً ، بل له رؤاه وفلسفته الخاصة به ، وفي مفصل أساسي يتعلق بالتوازن بين الفرد والجماعة ، وهو ما لم يراعه كل من هذين النظامين .
هذا من جانب ومن جانب آخر , فإن ( ظاهرة الحياة ) لها أوجه عدة , دينية واقتصادية وسياسية واجتماعية , والنظر إلى ظاهرة الحياة عبر أي من هذه الأوجه ربما يجعل لها بعداً جزئياً  , إلا البعد الديني , فإنه ومن خلال تجليات الإيمان المختلفة ,  يمنح هذه الظاهرة بعدها المتوازن , الذي يضع كل أمر في نصابه المناسب وحجمه الحقيقي , وهكذا سنجد أن الإيمان يبرمج السلوك الاقتصادي للفرد بما يجعله الأكثر أهمية وفاعلية في تحقيق الرفاه المناسب للجميع .

أولاً : الاقتصاد والإيمان

ابتداءً لا بد من أن نشير هنا إلى أن الحديث بشأن الاقتصاد في نصوص الكتاب والسُنّة ليس بالسياق نفسه الذي تتحدث به كتب الاقتصاد ونظرياته بشأن هذا الموضوع ، لأن كلاً من القرآن الكريم والسُنّة النبوية المطهرة إنما غايتهما هداية الإنسان نحو عقيدة التوحيد بالدرجة الأساسية ، ثم ما يتبع ذلك من نظرة عامة تجاه الحياة وأحكامها وبما ينسجم مع هذه العقيدة ، لذا فإن القرآن الكريم والسُنّة النبوية هما ليس من كتب الاقتصاد . وبناءً على ذلك فإن مضامين الحديث الاقتصادي في الكتاب والسُنّة جاء في سياق الهداية وما يقتضيه ذلك من مفاهيم ترتبط بالحياة الاقتصادية ، وعليه فليست ثمة لغة اقتصادية مباشرة تتحدث عن الإنتاج والاستهلاك والتوزيع وما إلى ذلك . بل جاء الحديث في معظمه متعلقاً بـ ( المال ) بوصفه الإطار الذي يكنف كل من عمليات الإنتاج والتوزيع والاستهلاك ، ولأنه يصبح – في إطار النظرة المنحرفة – هدفاً بحد ذاته ، وما يلحق ذلك من انحرافات سلوكية حادة .

فهل ربط الإسلام بين الإيمان ومفاهيمه من جهة ومعالم الحياة الاقتصادية من جهة أخرى ؟
تضمن القرآن الكريم – بالدرجة الرئيسة – ثم السُنّة النبوية إشارات عديدة ، وبسياقات متنوعة تؤكد الربط بين الإيمان والاقتصاد ، ليس في إطاره العام بل من خلال بعض جوانبه ، ولعل أهم سياقات الربط هذه جاءت بصدد غايات الخلق الإلهي للبشر . فكانت الغاية الأولى التعبد لله تعالى ، فقال الله عز وجل : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ . مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ . إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ ( الذاريات 56 -58 ) أما الغاية الأخرى فتمثلت باستخلاف الإنسان في الأرض من أجل إعمارها ، فقال الله عز وجل : ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ ( البقرة 29 ) ثم قال تعالى : ﴿ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ ( هود 61 ) فإن الله تعالى اتخذ من الإنسان خليفة له في الأرض وأوكل إليه مهمة إعمارها ، وما هذه العملية إلا عملية اقتصادية بأبعادها الأساسية . ثم إن هذه العملية الاقتصادية تكتنف بحد ذاتها على الكثير من أشكال وألوان التعبد لله تعالى ؛ ولا سيما إن التعبد لله ليس فقط بما افترض عليه من صلاة وصوم وحج وزكاة ؛ وإن كانت هذه أحبها إلى الله تعالى ، غير أن ذلك لا يمنع من اتخاذ أشكال أخرى من العبادات ، فكل عمل يباشره الإنسان ويبتغي به وجه الله تعالى فهو عبادة .
من ناحية أخرى ، وفي أوائل الآيات بعد الفاتحة جاء الارتباط مباشراً بين مقومات الإيمان والإنفاق ، الذي هو فعل اقتصادي ، فقال الله عز وجل : ﴿ الم . ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ ( البقرة 1-3 ) وإذا كانت هذه الآيات متعلقة بدعوة النبي (صلى الله عليه وسلم) ، فإن دعوة النبي شعيب عليه السلام تضمنت ربطاً مباشراً بين الدعوة إلى الإيمان بالله وبعض مظاهر النشاط الاقتصادي ، ومقترنين مع بعضهما فقال الله عز وجل : ﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ... فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ ﴾ ( الأعراف 85 ) ثم إن القرآن الكريم سَخِر واستنكر طريقة التفكير الوثني بالتعبد لمن لا يملك لهم ( رزقاً ) فقال الله تعالى : ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنْ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ ( النحل 73 )

أما السياق الآخر للربط بين الإيمان والمعطيات الاقتصادية ، فجاء من خلال بيان أن من أول ما يثاب عليه الإنسان على إيمانه جوانب تتعلق بوضعه الاقتصادي ، فقال الله عز وجل : ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ ( النحل 97 ) ولا يغيب عن الذهن أن الحياة الطيبة تتضمن أساساً الرفاهية الاقتصادية ورغد العيش . ثم جاء قول الله تعالى : ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ( الأعراف 96 ) فالإيمان والتقوى من الأسباب المباشرة لتحل البركة في حياة المرء المعيشية . ثم قول الله تعالى : ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ ( الطلاق 2-3 ) والتقوى تعبير عن الإيمان الحقيقي الصادق بالله عز وجل ، فإذا انعم الله تعالى على المؤمنين ، فإن هذه النعمة تدوم عليهم ما لم يغيروا من حالهم : ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ( الأنفال 53 ) .

وبالمقابل أيضاً فإن العديد من الآيات التي لوحت للعصاة بالعذاب فإن هذا الوعيد جاء بسبب الخلل في الإيمان المقترن أيضاً بسلوك اقتصادي تحديداً ، قال الله تعالى : ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ . ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ . ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ . إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ . وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ ( الحاقة 30-34 ) ومن الطبيعي أن الذي لا يحظ على طعام المسكين  لا يطعم المسكين أصلاً . وتكرر ذلك في قول الله تعالى : ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ . قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ . وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ﴾ ( المدثر 42 -44 )

أما السياق الآخر للربط بين الإيمان والاقتصاد ، فجاء من خلال الإشارة إلى وقائع بعينها يقترن فيها حال المرء الإيماني بحاله الاقتصادي ، من ذلك قصة الغلامين في سورة الكهف : ﴿ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ﴾ ( الكهف 82 )( ) فكان صلاح الأب – ولا يكون صالحاً ما لم يكن مؤمناً – كافياً عند الله تعالى لحفظ كنز الولدين .
أما في سُنّة النبي (صلى الله عليه وسلم) فجاء قوله : ( لا إيمان لمن لا أمانة له ) ( ) ومعلوم أن الجانب الرئيس في موضوع الأمانة هو حفظ الودائع النقدية أو العينية ، ثم قول النبي (صلى الله عليه وسلم) : ( الصدقة برهان ) ( ) . أي أنها دليل على إيمان صاحبها ، وهي تغذي هذا الإيمان وتنميه وتزيده فيه ( ).
ولا بد من التنبيه على أن كل الشواهد آنفة الذكر  لا تقتصر على التدليل على الصلة بين الإيمان والاقتصاد ، بل تؤكد في الوقت نفسه الأهمية التي يحتلها الاقتصاد في التصور الإسلامي ، ولا ريب فهو يشكل محور رئيس في صناعة معالم الحياة الإنسانية بعامة .

ومن ناحية أخرى فثمة معطيات قرآنية أخرى تؤكد أهمية الاقتصاد وذلك من خلال تقديمه على النفس والأهل والولد ، فكل الآيات التي جمعت بين المال وأي من هذه المكونات ، فإن ذكر المال تقدم على ذكرها . ففي آيات الجهاد جميعاً تقدم ذكر المال على النفس مثل قول الله تعالى : ﴿ وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم ﴾ ( التوبة 41 ) ( ) وكذلك الأمر عند الحديث في شأن فتنة المال والولد ، فإن ذكر المال يتقدم على ذكر الولد ، مثل قوله تعالى :﴿ شغلتنا أموالنا وأهلونا ﴾ ( الفتح 11 )( ). وكذلك تقدمت الإشارة إلى ذكر المال في أمر الابتلاءات ، فقال الله تعالى :﴿ لتبلون في أموالكم وأنفسكم ﴾ ( آل عمران 186 ) . ومثل ذلك عند الحديث في أن الأموال والأولاد لا يغنون عند الله شيئاً ، فقال الله تعالى :﴿ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى ﴾( ) ( سبأ 37 ) وعند ذكر مظاهر الزينة في الحياة الدنيا تقدم أيضاً ذكر المال على الولد فقال الله تعالى :﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ ﴾ (الحديد 20 ) ثم قوله سبحانه وتعالى :﴿ وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً . وَبَنِينَ شُهُوداً . وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً . ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ﴾ (المدثر 12 – 15 ) . ويستثنى من كل ذلك آية واحدة فقط تقدم فيها ذكر النفس على المال  ، وذلك في قوله تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ ﴾ (التوبة 111 ) . وكل ذلك في عمومه يؤكد أهمية الاقتصاد ومكانته الكبيرة والفاعلة في مجمل الحياة الإنسانية .

وفي خارج السياق القرآني نجد تميز الاقتصاد بمكانته الظاهرة أيضاً في السُنّة النبوية المطهر ، فالمال أحد ثلاثة أوجه تميزت بحرمتها التي لا يجوز التعدي عليها ، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) : ( كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ) ( )، ووضع النبي (صلى الله عليه وسلم) المقتول دفاعاً عن ماله في خانة الشهداء : ( من قتل دون ماله فهو شهيد ) ( ) وامتدح النبي (صلى الله عليه وسلم) المال الصالح بقوله : ( نعم المال الصالح للرجل الصالح ) ( ). ولهذه الأهمية الملحوظة للمال فإن التشريع الإسلامي جعل حفظ المال بين المقاصد الأساسية الخمسة للشريعة الإسلامية وهي : حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ المال وحفظ العقل وحفظ النسل . غير أن الحديث عن هذه الأهمية الكبيرة للاقتصاد لا تعني دفع الإنسان نحو وثنية جديدة يصير فيها من عباد صنم جديد هو الاقتصاد ( ).
وفي ضوء هذه الأهمية الكبيرة للاقتصاد في حياة الأمة ، فإن دارسي الاقتصاد الإسلامي توصلوا إلى أن الأهداف العامة لمناشط الاقتصاد الإسلامي هي :
1-    كفالة حد أدنى من العيش يقوم على الكفاية وليس الكفاف ليحفظ كرامته وعرضه . وذلك عن طريق الضمان الاجتماعي .
2-    تحقيق القوة والعزة الاقتصادية ، فقوة اقتصاد الأمة إحدى الضمانات الرئيسة لقوة الأمة حتى تكون محترمة مهابة بين الأمم ، وذلك عن طريق التنمية الشاملة والمتوازنة .
3-    تخفيف التفاوت في الدخل والثروة بين الناس ، وذلك بتحقيق التوازن الاجتماعي ( ).
ومن الواضح أن هذه الأهداف تنطلق من تصور شامل للحياة ، وليس من رؤية محض اقتصادية ، ذلك لأن هذا الاقتصاد رباني في منطلقاته وغاياته ووسائله ، فالأنشطة كافة – من إنتاج واستهلاك وتوزيع وتبادل – مشدودة إلى المبدأ الرباني ( ). وذلك ما يؤكد أيضاً أن في الاقتصاد بعداً أخلاقياً . على الرغم من أن بعضاً من مفكري الغرب الاقتصاديين أنكروا مثل هذا البعد بوصف أن الاقتصاد ليس سوى علم محايد ، شأنه في ذلك شان فروع العلم الأخرى المجردة من فيزياء وكيمياء ورياضيات ، وغير ذلك ( ). غير أن وجهات نظر أخرى غربية أيضاً تؤكد أن ثمة أبعاد أخلاقية فعلاً في الاقتصاد ، نعم ثمة جوانب محايدة في علم الاقتصاد وهي أشبه بالقوانين والمعادلات في الرياضيات ، غير أن جوانب أخرى مهمة لها أبعادها الأخلاقية كالسياسات المتعلقة بالإنتاج والاستهلاك والتوزيع والأجور وغير ذلك ( ). وعليه فإن الاقتصاد يرتبط بأنماط سلوكية يمارسها الأفراد وتمارسها الجماعات ؛ ولما كانت لهذه السلوكيات مرجعيات مختلفة دينية أو علمانية أو إيديولوجية ، فكان لا بد من بيان أثر الإيمان الديني ( العقيدة ) في توجيه هذا السلوك الاقتصادي .

ثانياً : الإيمان طبيعته وأبعاده
يعد الإيمان من أجل النعم التي أنعم الله تعالى بها على عباده ، فهو منطلق العقيدة الصادقة ، وأساس الحياة الطيبة ، ومصدر سعادة الإنسان ، كما إنه المقوم للسلوك ، والمهذب للنفوس ( ). وما أعظم الفرق بين رجلين ؛ يعيش أحدهما وهو يعتقد في نفسه أنه مجرد حيوان من فصيلة راقية ليس له قبل حياته جذور ، وليس له بعد موته امتداد ، وليس له في حياته صلة بالوجود الكبير أكثر من صلة القرود به ، في حين يعيش الآخر وهو يؤمن إنه خليفة الله في الأرض ، ونائبه في إقامة الحق وإفاضة الحب وإشاعة الجمال في هذا الكون ، مستشعراً أن الكون كله في خدمته ، والملائكة الكرام في حراسته ، وإن رب الوجود في معيته ، وإنه من فصيلة الذين أنعم الله عليهم في النبيين والصديقيين والشهداء والصالحين ، وإن وجوده لا ينتهي بالموت ، وداره لا تنتهي بالقبر ، فإنما خُلق للخلود ( ). فتلك هي ثمرات من يعتقد في أعماقه بالإيمان الحق أو لا يؤمن أبداً .

والإيمان في طبيعته عمل نفسي ، يبلغ أغوار النفس ، ويحيط بجوانبها كافة من إدراك وإرادة ووجدان ؛ إدراك ذهني تتكشف له به حقائق الوجود ، مع انقياد إرادي يتجلى بالخضوع والطاعة التامة للخالق ، ويترافق مع ذلك حرارة الوجدان القلبي الذي يبعث على العمل بمقتضيات العقيدة والالتزام بمبادئها الخلقية والسلوكية ( ).
من كل هذا يتبين أن للإيمان والعقيدة أهمية خطيرة في حياة الإنسان ، فالإيمان يصنع لصاحبه ( عقلية ) ينظر بها إلى نفسه وإلى الكون وإلى المال وإلى الحياة ، وهذه غير نظرة الرأسمالي الذي لا يكاد يفكر إلا في المادة والمنفعة ، وليست له غاية إلا الدأب على الجمع المتزايد من المال . والإيمان هو الذي يصنع لصاحبه ( قلباً ) يشعر ويحس ويتعامل مع الله والكون والناس والحياة ببصيرة وحيوية ، فهو يحب الحق ، ويريد الخير ، ويكره الباطل ، وينفر من الشر ، ويرنو إلى حياة بعد الحياة ( ).

إن هذه الحيثيات جميعاً تمنح العقيدة المكانة الأكثر خطورة في حياة الإنسان بكل أبعادها ، فبصلاحها تصلح أعمال المرء الدنيوي منها والأخروي ، وإذا فسدت فسدت بفسادها أعماله هذه ، لذلك فإن العقيدة السليمة ضرورة للإنسان (( ضرورة الماء والهواء وبدونها يصبح تائهاً ضائعاً يفقد ذاته ووجوده )) ( ). ولما كانت أعمال الإنسان متشعبة كثيرة وتمتد على جوانب وميادين شتى ، اقتضى أن يكون لها ناظم ينتظمها ، وخطة فكرية ( = عقيدة ) تربط بين جميع أعماله وتنسقها وتجعلها متعاونة ومتساندة ، تصب في مسار واحد ، وتلتقي عند هدف واحد هو الهدف العام من وجود الإنسان في هذه الحياة . وبعكس ذلك فإن أعمال الإنسان تضطرب وتتصادم وتضيع جهوده سدى ( ).
ومن ناحية أخرى فإن العقيدة ( = الإيمان ) تمنح الإنسان القدر اللازم من الطمأنينة ، فالإنسان مفطور على الانتماء ، فهو بحاجة ماسة إلى أن ينتمي إلى عقيدة ومنهج فكري يحدد له مكانته في خارطة الحياة ، وعليه فإننا لا نكاد نجد إنساناً بلا عقيدة ، فحتى العلمانيون واللادينيون ، فإنهم في الحقيقة ( يعتنقون ) عقيدة ينتمون إليها بغض النظر عن طبيعتها ، وحتى المجتمعات البدائية فإنها تكتنف على معتقدات خرافية وأسطورية وسحرية ، وما إلى ذلك لتروي في هذه المجتمعات حاجتها إلى أن تكون لها عقيدة تؤطر حياتها وتوجه سلوكها .

ولما كان الإنسان لا ينفك من أن يؤمن بعقيدة ، فإن مجمل (سلوكه) يرتبط بهذه العقيدة ، ونؤكد هنا أن العقيدة السليمة تثمر سلوكاً سليماً ، والعكس صحيح ، وعليه فإن الشخصية السوية هي التي تعيش في حال انسجام وتوافق بين ما تعتقده وتؤمن به وما تمارسه ، ولا سيما عندما ينتفي أي سبب قاهر يسوغ اختلال هذا الانسجام . فبالنسبة للمرء المسلم فإن تصوراته وقناعاته لا تبقى حبيسة ضميره ، ولا تظل رهينة مشاعره الداخلية ، بل لا بد من أن تترجم إلى ( سلوك ) يتمثل بحركة ونشاط على أرض الواقع ، وهنا تتجلى القيمة الحقيقية للعقيدة والإيمان ( ).

والذي عليه أكثر أهل العلم أن مسمى الإسلام غير مسمى الإيمان ، فالاختلاف اللغوي بينهما واضح ، فكل منهما مشتق من جذر يختلف عن الآخر ، أما من الناحية الشرعية فإن الإيمان يتضمن الإسلام ، لأن بينهما تلازماً في الوجود ، فكل منهما مكمل للآخر بحيث لا ينفكان عن بعضهما ، وأنهما إذا اجتمعا اختلفا في مدلولهما ، وإذا افترقا اجتمعا في مدلولهما ( ).  ويمكن إيجاز ذلك بالقول : لا إسلام لمن لا إيمان له ، ولا إيمان لمن لا إسلام له . فالإسلام لا يرادف الإيمان مطلقاً ولا يخالفه مطلقاً ( ). والمعروف إن أركان الإسلام هي : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، والصلاة والصوم والزكاة والحج ، أما أركان الإيمان فهي بحسب قول النبي (صلى الله عليه وسلم) : ( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره ) ( ).

والحقيقة فإن الإيمان لا يقتصر على ذلك ، ففي الحديث عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قوله : ( الإيمان بضع وستون أو سبعون شعبة ، فأرفعها قول لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من شعب الإيمان ) ( ).  وقد أظهر هذا الحديث الجانب العملي الواسع من الإيمان – وهو ما سنبينه تباعاً – وبذلك يمكن أن تدخل الكثير من ( الممارسات السلوكية ) في معنى الإيمان ، وذلك ما يعطي للسلوك الإنساني قيمة كبيرة ودرجة رفيعة ، فعند ما يدرك المرء أن الفعل الفلاني والسلوك الفلاني يدخل في معنى الإيمان ، فإن ذلك يدفعه إلى التأني في مجمل فعله وسلوكه ليضعه في موضعه المناسب من دائرة مفاهيمه ومعتقداته  . وعلى وجه العموم فإن كمال الإيمان هو (( فعل ما أمر الله به ورسوله ، وترك ما نهى الله عنه ورسوله ، فإذا ترك بعض المأمور وعوض عنه ببعض المحظور ، كان في ذلك نقص الإيمان بقدر ذلك )) ( ).

وقد اتفق علماء الأمة على أن الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص ، فأفاد ابن تيمية إن من أصول اعتقاد أهل السُنّة والجماعة أن الإيمان قول وعمل ، قول القلب واللسان ، وعمل القلب واللسان الجوارح ، وأن الإيمان يزيد وينقص ، يزيد بالطاعات ، وينقص بالمعاصي ( ). فلم يكن سلف الأمة الصالحون يفرقون بين الإيمان والعمل، فالعمل من الإيمان والإيمان من العمل ، فمن آمن بلسانه ، وعرف بقلبه، وصدق بعمله ، فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها ، ومن قال بلسانه ، ولم يعرف بقلبه ، ولم يصدق بعمله ، فقد وقع في الضلالة ( ). وفي ذلك قال الحسن البصري رحمه الله : (( إن الإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني ، وإنما الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل ))( ) ومن أهم علماء الأمة وأئمتها ممن قال بذلك الإمام أحمد والشافعي ومالك وغيرهم من الأئمة كسفيان الثوري والأوزاعي وابن جريج ومعمر بن راشد وغيرهم ( ). وذكر البخاري أنه لقي أكثر من ألف عالم من علماء الأمصار ، فما شذ أحد منهم عن القول بأن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص ( ). وسلف الأمة هؤلاء رحمهم الله لم يقولوا بذلك إلا بعد استقراء لنصوص الكتاب والسُنّة ، وسبر لأغوارهما ( ). وقد أورد الآجري أكثر من خمسين آية في القرآن الكريم تؤكد أن العمل من الإيمان ( ). فضلاً عن الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة التي تؤكد ذلك أيضاً ( ).

ومن ناحية أخرى فإن العبودية التي شرعها الله سبحانه وتعالى لعباده وطلب منهم القيام بها – فرضها ونفلها – منقسمة على : القلب ، واللسان ، والجوارح ، وعلى كل منها عبودية تخصه ، فهذه الأعمال كلها من الإيمان وداخلة فيه ، فالقيام بها والإكثار منها زيادة في الإيمان ، أما إهمالها ونقصانها فإنه يؤدي إلى النقص في الإيمان ( ). فإذا أراد المرء زيادة في الإيمان ، فإن ذلك يتعلق بعمل الطاعات مراعياً جنس العمل ، وحسن أدائه ، والإكثار منه . فكلما كان العمل أحسن  كانت زيادة الإيمان أعظم ، وحسن العمل يتعلق بإخلاص النية فيه لله تعالى والمتابعة فيه وإدامته . أما تعلق الأمر بجنس العمل ، فإن الواجب من العمل أفضل من المسنون ، وبعض الطاعات أوكد من البعض الآخر وأفضل منه ، فكلما كانت الطاعة أفضل كانت زيادة الإيمان به أعظم . فأما كثرة العمل فإن الإيمان يزداد بها ، لأن العمل من الأيمان ، فلا جرم أنه يزيد بزيادته والإكثار منه ( ).

وثمة مفصل آخر في الموضوع يدور حول الصلة بين الإيمان والأخلاق ، فهل من صلة ما بينهما ؟
مما لا شك فيه أن الإنسان مركب على ميول وشهوات وغرائز وحاجات ، وهذه مختلفة في درجاتها ، وكل هذه الجوانب تتحرك في مكونات الإنسان الداخلية والخارجية بقوة ، فهي تستدعيه للنشاط والفاعلية بقوة استجابة لمؤثراتها ، فإذا ما تُركت نشاطات الإنسان وفعالياته هذه تتحرك بحرية تامة من دون أية محددات تصادم الناس مع بعضهم ووقع التظالم والعدوان ، بل إن المرء ليطغى فيها حتى على نفسه ، لذلك كان لا بد من وازع ينتظم كل ذلك ويوجهه الوجهة المناسبة ، وحتى يبلغ الأمر حده المناسب كان لا بد من أن يكون هذا الوازع إلهياً ، حتى لا يشتط الإنسان في طبيعة هذا الوازع ، لأنه إذا ترك للإنسان تقديره ، تدخلت أهواؤه في ذلك ، فلا يسلم الأمر من التظالم أيضاً ، وهذا ما وقعت فيه النظم العلمانية . في حين نجد أن كمال الله تعالى يجعل من تشريعه الحال الأمثل لمعالجة سلوك الإنسان في استجابته لنوازعه الداخلية تلك .

وبما أن الدين بالنقل لا بما يراه العقل ، فإن الدليل على ما تقدم من قول يتمثل بالعديد من آي الكتاب الكريم وسُنّة النبي (صلى الله عليه وسلم) ، ونختار من ذلك قول الله تعالى الذي يقرن فيه الإيمان بجملة من الممارسات السلوكية الايجابية :﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ . إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ . فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾ ( المؤمنون – 1-29 ) . وقوله تعالى أيضاً : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ ( الحجرات 11 ) ففي مجمل هذه الآيات واضح ربط المولى عز وجل بين تسمية المؤمنين بالإيمان مقروناً بهذه الأنماط السلوكية .
أما في سُنّة النبي (صلى الله عليه وسلم) ، فقد تقدم ذكر الحديث المتعلق بشعب الإيمان فكان أعلاها شهادة التوحيد وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من شعب الإيمان ، ويتضمن ذلك الربط بين الإيمان والسلوك الأخلاقي للمرء . ويعزز ذلك الحديث الذي سبق ذكره أيضاً وفيه قال النبي (صلى الله عليه وسلم) : ( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً ) فمتى استقر الإيمان الصحيح في القلب ظهرت آثاره في السلوك ، والإسلام عقيدة متحركة لا تحتمل السلبية ، فهي بمجرد تحققها في عالم الشعور ، تحركت لتحقيق مدلولها في الخارج ( = السلوك ) ولتترجم نفسها إلى حركة وعمل في عالم الواقع ( ).

فالإيمان الحق الكامل الذي تنتظم فيه العقائد والعبادات والأخلاق والآداب وسائر المعاملات ، هو إيمان شمولي اتفق عليه سلف الأمة وتبعهم في ذلك العلماء العدول من رجال الخلف ، فترتب على ذلك أن يكون سلوك المؤمن مرآة لإيمانه ( ). وبناءً على ذلك نجد أيضاً أن علماء الأمة أجمعوا في مجمل ما اتفقوا عليه أن التصور الإسلامي في شموله يتضمن ثلاثة أضلاع هي : العقائد ، والعبادات والمعاملات ، ثم الأخلاق والفضائل . فمتى نُقض أحد هذه الأضلاع انهارت الإضلاع الأخرى ولم يعد لها قيمة كبيرة . لأن هذه جميعها تدخل في مسمى الإيمان . فإذا كانت عقيدة المرء سليمة ومعاملاته كافة تقوم على أسس سليمة أوجب ذلك حسن خلقه في مناحي سلوكه كافة . ومتى ما كان سلوكه مضطرباً في الناحية الأخلاقية دلّ ذلك ( حتماً ) على خلل واضطراب في عقيدته ومعاملاته وعباداته . وهكذا أثمر الإيمان أخلاقاً حميدة فاضلة هي : العدل والصدق والحياء والكرم والحب والصبر والشكر والتعاون ، كما أوجب الإيمان التخلي عن أنماط سلوكية من قبيل السخرية والاستهزاء وسوء الظن والتجسس والغيبة والنميمة والكذب والخيانة والإيذاء والظلم وأكل مال الغير والعدوان وما إلى ذلك . ولا يمكن ( فيما يجب إدراكه ) التحلي بالطيب من الخلق إلا بعد التخلي عن سوء الخلق .

فالسلوك هو النتيجة الحتمية للتصورات ، إذ إن الشخصية السوية هي التي تعيش في حال انسجام بين ما تعتقده وما تمارسه ، ولا سيما عند انتفاء أي سبب قاهر يضطر معه المرء إلى اختلال هذا الانسجام . وبالنسبة للمسلم فإن تصوراته وقناعاته لا تبقى حبيسة ضميره ، ولا رهينة مشاعره الداخلية ، بل لا بد من أن تترجم إلى حركة ونشاط على أرض الواقع ، وهنا تتجلى قيمتها الحقيقية ( )، وكل ذلك يؤكده قول النبي (صلى الله عليه وسلم) : ( إن الخلق وعاء الدين ) ( ) ، فنسبة الخلق الحسن إلى الدين كنسبة الوعاء إلى ما استقر فيه . فكما أن الماء لا يقوم بنفسه من دون وعاء ؛ كذلك أحكام الدين وتعاليمه لا تقوم من نفسها ، ولا يدوم سلطانها ما لم يكن في المتدين خلق ثابت .

غير أنه مما لا ريب فيه أن هذا القول ينطبق على الحالة المثالية المتصورة ، إذ لا أحد يفترض أن مجرد التلازم بين الإيمان والسلوك سوف ينبثق عنه تلقائياً سلوك مثالي في الأحوال كلها ، بل ربما جاز القول أن العكس هو الصحيح ، ففي كثير من الأحوال يتغلب الهوى ، ويتغلب حظ النفس ، وتشتد في أحيان كثيرة النوازع الداخلية غير المهذبة التي لم يهذبها الإيمان . ولهذا قال الله عز وجل : ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾ ( المؤمنون 70 ) لهذا فإن الإسلام لم يضع قواعد السلوك الإيماني القويم ، بل وضع مع ذلك واحدة من أهم قواعد العمل الإسلامي ، التي يمكن من خلالها تقويم أية انحرافات في سلوك الفرد المسلم ، وتمثلت في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بل إن الحق سبحانه وتعالى ما منح الخيرية لهذه الأمة إلا باقتران إيمانها بتطبيق هذه القاعدة والعمل بموجبها فقال في محكم كتابه :  ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ ( آل عمران 110 ) وقال النبي (صلى الله عليه وسلم) : ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك اضعف الإيمان ) ( ).

وقد شهدت الدولة الإسلامية في مختلف عصورها إقامة هذه القاعدة وبمختلف المستويات ، فكان علماء الأمة يمارسون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كلما وجدوا اعوجاجاً ، بما في ذلك الانحراف في السلوك الاقتصادي . كما إن الدولة أقامت هذه القاعدة أيضاً من خلال وظيفة المحتسب التي كانت إقامة حقيقية لهذه القاعدة ، ولا سيما إن العلماء عرفوا هذه الوظيفة بأنها : وظيفة دينية تقوم على أمر بالمعروف إذا ظهر تركه ، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله . وكانت الأسواق في مختلف مناشطها الميدان الرئيس لعمل هذه الوظيفة .

أما الآلية الثانية لتقويم سلوك الأفراد فتكون عبر العمل التربوي الذي تتولاه مؤسسات المجتمع كافة ، بدءاً من الأسرة ، ثم المسجد ، ثم المدرسة ثم مؤسسات المجتمع المدني ، إلى غير ذلك من أدوار . ولا بد من أن يكون ذلك مشفوعاً بدور الدولة في قيادة هذه العملية والإشراف عليها ، وقد سبق ان قال سلف الأمة : ( إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ) . وعليه فإن نجاح أية مساع في هذا الاتجاه يتطلب تأييد الدولة ومساندتها لهذه الإعداد الأخلاقي ، كما يتطلب أيضاً توفر وعي عام مساند ، ثم ضرورة وجود تيار سياسي يؤيد هذا الإعداد ويدعمه أيضاً . ومن حيث الإجراءات العملية لا بد من التوافر على جهاز تعليمي كفء يؤمن بالوظيفة التربوية والأخلاقية ويتحمس لها . فضلاً عن المؤسسات والكوادر التدريبية ، وأن يتهيأ لكل ذلك توجيه الموارد الكافية لانجاز هذه المهمة ( ).

وهنا لابد من أن يحظى الأولاد ، منذ نعومة أظفارهم ، بقدر كبير من الاهتمام في هذا الإعداد ، من خلال تنمية الرقابة الذاتية ( = الضمير ) والخوف من الله تعالى ومن عقابه في الآخرة . فإذا رسخت هذه المفاهيم في نفوس الأولاد تراكمت في لا وعيهم عناصر توجيه قوية كامنة توجه سلوكياتهم في الاتجاه الصحيح . ولقد قيل قديماً : ( التعليم في الصغر كالنقش على الحجر ) تعبيراً عن قوة تأثير الخبرات المكتسبة في الصغر وديمومة تأثيرها في مراحل العمر اللاحقة ، قبل أن تتلقفهم السلوكيات المنحرفة ، التي قد يصعب تقويمها في الأوقات اللاحقة ، أو حتى قد لا يوجد من يقومها أصلاً .
ومن الجوانب الأساسية التي لا بد من إدراكها أن نجاح أية ممارسة إيمانية باتجاه تقويم الفرد أو الجماعة ، لا بد له من أن ينعكس على الجوانب الأخرى في حياة الفرد أو الجماعة أيضاً ، بوصف أن منهج الإسلام منهج رباني متكامل وشمولي ومترابط ومتناسق ، لا يمكن أن يؤثر في جانب معين ويغفل عن جوانب أخرى .

وللسلوك الاقتصادي حظ وافر ، بل قد يكون الأوفر ، في هذا الجانب . فإن للمال حظور قوي في النفس البشرية ، لحكمة أرادها الله تعالى ، وهي السعي الحثيث مع الجد والمثابرة في إعمار الأرض ، فجعل الله تعالى لذلك ثمرة حلوة مرغوبة وهي المال ، لهذا قال الله تعالى : ﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً ﴾ ( الفجر 20 ) فلولا هذه الفطرة لما اجتهد الإنسان في طلب المال وتحصيله، ولما عمرت الأرض . إلا أن الله سبحانه وتعالى نبه على أن ذلك لا ينبغي أن ينفلت من ضوابطه . فقد نبه الله تعالى على أن المال فتنة : ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ ( الأنفال 28 )  وقال أيضاً : ﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ ( التغابن 15 ) وفي تقديم المال على فتنة الولد تنبيه على خطر فتنته ( ). وقال النبي (صلى الله عليه وسلم) أيضاً : ( إن لكل أمة فتنة ، وفتنة أمتي المال ) ( ). ومن أبواب فتنة المال تسببه في تنازع العِباد والخصومة بينهم ، فضلاً عن أمراض النفس كالبخل والحرص والحسد والطمع والطغيان . زد على ذلك إشغاله للمرء عن كثير من أبواب العمل الصالح كالعبادات المفروضة والمسنونة . ذلك لأن طلب واستثماره وإدارته وما إلى ذلك يتطلب وقتاً وجهداً ( ).
لذلك توجب على المرء المسلم أن يتعامل مع المال على وفق قواعد وأصول تجعل من المال وسيلة وليست غاية لذاته ، وسيلة لتحقيق ( الخير ) لصاحب المال وللمجتمع في الوقت نفسه ، أي أن لا يحتكر صاحب المال الخير لنفسه من المال .

وفي المجال الاقتصادي فإن الإعداد التربوي الإيماني السليم يمكن أن يقدم سلوكيات على درجة عالية من الايجابية من قبيل : الرضا التام والقناعة الصادقة فيما قسمه الله تعالى للمرء ، ثم التوكل على الله تعالى حقيقة مع عدم إسقاط الأخذ بالأسباب ، ثم إنفاق المرء على نفسه وأهله بحسب السعة والقدرة ، ثم مراعاة الأولويات في الإنفاق ، زد على ذلك تجنب التقتير خشية الفقر ، والادخار لأوقات الحاجة ، والمحافظة على حقوق المجتمع ( ). وبمثل هذا النمط من السلوكيات الإيجابية الملتزمة يمكن أن تتوفر للأمة حقيقة الكوادر المخلصة المؤهلة لإحداث عملية التحول الحضاري في واقع الأمة .

ثالثاً : أثر أركان الإيمان في السلوك الاقتصادي
1-    الإيمان بالله

يقتضي الإيمان بالله توحيده سبحانه وتعالى ، وتوحيد الله يعني إفراده تعالى بالربوبية والألوهية وأسمائه وصفاته . أما إفراد الله تعالى بالربوبية فيعني أن الله تعالى هو وحده الخالق المالك المدبر لهذا الكون بكل ما فيه . أما إفراد الله تعالى بالألوهية فيعني الخضوع لله تعالى وحده ، والتعبد له وحده بكل أشكال العبادة ، في حين يعني إفراد الله تعالى بأسمائه وصفاته الإيمان بما وصف الله تعالى به نفسه وما وصفه به أنبياؤه من غبر تكييف ولا تمثيل . ويقتضي الإيمان بهذا التوحيد الامتثال لأنماط سلوكية في جوانب الحياة كافة ؛ ومنها ما يتعلق بالجانب الاقتصادي ، أما أهم هذه الأنماط السلوكية فتتمثل بالأشكال الآتية :
يقتضي الإيمان بالربوبية حسن التوكل على الله تعالى . فلما كان الله تعالى هو الخالق ، فليس للمرء حيلة أو طريقة للحصول على أمر ما من غير خلق الله تعالى ، وأن ما يملكه المرء هو في أصله ملك تام لله تعالى ، ثم إن الله تعالى المدبر لهذا الكون المتصرف به . مشيئته وإرادته هي القاضية في شؤون هذا الكون أيضاً . لذا لم يبق أمام المرء سوى التوكل حقيقة على الله تعالى والثقة به ؛ وهو أمر أراده الله تعالى من عباده ، فقال سبحانه : ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ( المائدة 23 ) وقال أيضاً : ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَليتوَكَّلُ المُؤْمِنونَ ﴾ ( آل عمران 122 ) وقال النبي (صلى الله عليه وسلم) : ( لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير ، تغدو خماصاً وتروح بطاناً ) ( ). وفي شأن الثقة قال الله تعالى : ﴿ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ ﴾ ( يوسف 87 ) وجاء في الحديث القدسي : ( يقول الله تعالى : أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ، وإن تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً ، وإن تقرب إليّ ذراعاً تقربت إليه باعاً ، وإن أتاني مشياً أتيته هرولة ) ( )

ويعني التوكل اعتماد القلب على الله عز وجل في جلب المصالح ودفع المضار ( ). ويعني أيضاً تفويض الأمور كلها إلى الله عز وجل ، والثقة بحسن اختياره فيما أمر به ونهى عنه ، ويمتد ذلك إلى جوانب الحياة كافة ( ). والمتوكل على الله حقيقة يزداد رضا بما قدر الله تعالى ، والاستسلام التام لله ( ). فالمتوكل على الله لا يعترض ولا يقنط ولا ييأس ولا يتذمر ولا يستاء مما قدر الله تعالى له ؛ فإن الله تعالى لا يجوز في حقه الظلم والعدوان .

ومن ناحية أخرى فإن الثقة بالله تعني (( أن لا تسعى في طمع ، ولا تتحكم في طمع ، ولا ترجو دون الله سواه ، ولا تخاف دون الله سواه ، ولا تخشى من شيء سواه ، ولا يحرك في جوارحه شيئاً دون الله – يعني في طاعته – واجتناب معاصيه )) ( ). والثقة بالله لا تتم إلا بحسن الظن به ، فبحسن الظن بالله ، يؤمن المرء بحكمة الله وبعدله وقضائه . كما لا بد من إدراك أن التوكل على الله لا يتنافى مع الأخذ بالأسباب . لأن التوكل على الله تعالى عمل قلبي ، أما الأخذ بالأسباب فهو من عمل الجوارح . لذا قالت طائفة من العلماء : إن الالتفات إلى الأسباب – أي التعويل عليها وحدها – شرك في التوحيد ، ومحو الأسباب يكون من نقص العقل ، أما الإعراض عن الأسباب بالكلية فهو قدح في الشرع ( ) ، لأن الشرع نفسه يقوم على الأخذ بالأسباب . لذلك فإن التوكل على الله تعالى يعني أن يكون المرء متوازناً في سعيه لاستحصال رزقه ، بلا جشع ولا طمع ولا انشغال تام عن حق الله ، لأن المتوكل حقيقة يدرك أنه لن يحصل له أكثر ولا أقل مما قدر الله تعالى له .

أ    ما مقتضى الألوهية فهو العبودية التامة المطلقة لله تعالى وحده ؛ والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة ( ). والعبادة تجمع أصلين : غاية الحب بغاية الذل والخضوع ، فمن أحب الله ولم يخضع له ، لم يكن عبداً له ، ومن خضع لله من دون أن يحبه لم يكن عابداً له . لذا لا بد من الحب والخضوع ( ). فما معنى الخضوع لله تعالى ؟ إنه يعني امتثال حكم الله تعالى فيما أمر به ونهى عنه ، وإتيان ما أحل الله ، والامتناع عما حرمه ؛ وذلك حكم الله الذي أمر بامتثاله ، فقال الله سبحانه : ﴿ إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾( يوسف 40 ) وقال أيضاً : ﴿ أمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾( الشورى 21 ) وبالامتثال لما أمر الله تعالى به ورسوله ينخلع المؤمن من كل اختيار له داعياً الخيرة لله ولرسوله في الحكم والشرع ، فقال الله سبحانه :﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً ﴾ ( الأحزاب 36 ) لذلك فإن الاحتكام إلى شرع الله تعالى هو المحك الحقيقي للإيمان ، فالعبودية لا تتحقق بمعناها الشامل إلا بالانقياد إلى شرع الله ( ). فشرع الله تعالى فيما أحل وحرم يجسد القيم المثلى العليا التي يؤمن بها الإسلام ( ). والمحرمات التي حرمها الإسلام إنما صان بتحريمها عقل الإنسان وخلقه ونفسه وماله وعرضه ونسله ، وإذا حرم الشرع أمراً ما عُوض الإنسان ما هو خير منه مما لا يشتمل على المفاسد التي يكتنفها المحرم ( ). وهكذا تنتظم حياة الإنسان على الطيبات التي تضمن له حسن العيش .

أما الإيمان بأسماء الله وصفاته فيعني التمكن من أشرف العلوم الشرعية وأعظم المقاصد لتعلق الأمر بأشرف معلوم وهو الله عز وجل ، فكانت عبادته من أشرف الأعمال ، والثناء عليه بأسمائه وصفاته ومدحه وتمجيده أشرف الأقوال ، وذلك أساس حقيقة ملة إبراهيم عليه السلام ( ). لذلك قال بعض السلف : ((  مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها ، قيل : وما أطيب ما فيها ؟ قال : معرفة الله ومحبته ، والأنس بقربه ، والشوق إلى لقائه )) ( ). لذلك فإن الإيمان بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله أساس بنيان الدين ، وهو من الدين بمنزلة الرأس من الجسد ، ومتى كان الأساس راسخاً حمل البنيان ، والأقوال والأعمال – من المؤمن – بنيان الدين ، وسقفه الأخلاق الحسنة ، وأوثق أساس يبنى عليه العبد بنيانه مركب من أمرين : معرفة الله وتوحيده بأسمائه الحسنى وصفاته العلى ، وتجريد الانقياد التام لله ورسوله ( ). ومن أجل هذا كرر القرآن الكريم أسماء الله الحسنى وصفاته العلى ، وأمرنا أن ندعوه بها ، وعرفنا بها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال : ( إن لله تسعاً وتسعين اسماً ، مائة إلا واحداً ، من أحصاها دخل الجنة ) ( ). واحصاؤها ليس مجرد ذكرها باللسان والقلب غافل عن معناها ، بل المقصود امتلاء القلب بها ويتدبرها لينعكس ذلك في السلوك اليومي للمؤمن ( ) .

إن معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته مقتضية لآثارها من العبودية والخضوع ، فلكل صفة عبودية خاصة بها هي من مقتضياتها وموجبات العلم بها  ، والتحقق بمعرفتها ، وهذا مطرد في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح ( ). فإنه ما من صفة من صفات الله عز وجل إلا ولها أثر فاعل في الكون والحياة والإنسان ونشاطه البشري بما في ذلك النشاط الاقتصادي ( ). على أن الإلمام بكل هذه الجوانب ليس محله هنا لسعة الأمر وحاجته إلى جهد أكبر من هذا بكثير ، لذا سنشير باقتضاب إلى الجوانب الرئيسة والمباشرة من الأمر .

ولعل أول ما ينبغي أن يدركه المرء هنا هو أن من أسماء الله وصفاته أنه مالك الملك كله :﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ﴾ ( آل عمران 26 ) وملك الله تعالى للكون على الحقيقة لا على المجاز ، لأنه سبحانه هو خالق هذا الكون ومبدعه والقائم على أمره . أما الإنسان فإنه يملك على المجاز لا على الحقيقة ، استخلفه الله تعالى في ملكه ، فقال سبحانه : ﴿ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ﴾ (  الحديد 7 ) ومركز المستخلف في المال هو مركز ( الخليفة ) أو ( النائب ) وهذه محكومة في حدود ما سخر الله تعالى للبشر من مخلوقات ، وما سلطهم عليه في ملكه ، وما خولهم في ذلك كله من استغلال وانتفاع ( ). ومن ناحية أخرى فإن المستخلف والوكيل والنائب ليس له حق التصرف بالمال المستخلف فيه إلا في حدود ما أمر به ونهى عنه المالك الحقيقي ، وأن أية مخالفة في هذا الشأن خيانة لقواعد الاستخلاف والنيابة في المال ؛ وهذا بحد ذاته مدعاة لانتزاع حق التصرف هذا عند وقوعها ، أي الخيانة ، وذلك يعني عملياً التزام أحكام شرع الله تعالى في جميع المناشط الاقتصادية ( ).

والإيمان بأن الله تعالى مالك الملك يعقبه الإيمان بأن الله تعالى هو المهيمن على ملكه هذا والقائم على أمره . والمهيمن يعني أنه لا يحدث شيئ في ملكه ( = الكون ) إلا بإذنه ، فهو وحده الذي يدبر الأمر كله ( ). فالله تعالى محيط بملكه ، لا يغيب عنه من أمره شيئ مهما كان دقيقاً . أما القيوم فيتداخل معناه مع معنى المهيمن ، فهو القائم بتصريف الأمور والأحوال ، القائم برزق العباد ، وخلق أرزاقهم في كل حين ، فهم نائمون غافلون ، والأمطار تهطل ، والأنهار تجري ، والبذر ينمو ، والشجر يثمر ( ). فقال تعالى : ﴿ فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ . أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً . ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً . فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً . وَعِنَباً وَقَضْباً . وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً . وَحَدَائِقَ غُلْباً .وَفَاكِهَةً وَأَبّاً ﴾ ( عبس 24-31 ) . ونؤكد هنا أن الله تعالى قائم على أمر الكون في كل وقت وحين . أي أن الله تعالى حاضر في كل لحظة في كل مكان ، لا يقع شيء إلا بإذنه ، لذلك فإن الله تعالى نسب كل فعل في الكون إلى نفسه ، من ذلك مثلاً قوله سبحانه : ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ ﴾ ( القصص 86 ) فليس نظام حركة طبقات الأرض تسببت – من تلقاء نفسها – بزلزال خُسف به دار قارون . بل إن الله تعالى قضى بخسف داره . ويقتضي ذلك أن يدرك الإنسان أنه مجرد من كل حول وقوة ، فالأشياء لا تستجيب له ، ولا تكون طوع بنانه إلا بإذن الله تعالى ، وبالتالي فليس كل الأشخاص الذين يفعلون فعلاً واحداً تكون لهم الاستجابات نفسها ، فإن الله تعالى يأذن باستجابة لبعضهم ولا يأذن بمثلها لغيرهم ، وليس ثمة ما هو أوضح من ذلك في مجال الرزق ، فقد يسعى شخصان السعي نفسه ، إلا أن لكل منهما ثمرة تختلف عن الآخر ، فذلك هو تصرف الله في ملكه وتدبيره لخلقه . في حين اعتقد قارون خلاف ذلك ، فتوهم أنه بحوله وقوته نال ما نال من ثروة ، فحكى الله عنه قوله : ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ﴾ ( القصص 78) فأشرك نفسه مع خالقه في التدبير والحول والقوة ، فاستحق أن يخسف الله به وبداره .

وربما يجب أن يعقب ذلك الإيمان بسطوة الله تعالى الهائلة التي لا تحدها أية حدود . فالله تعالى هو : القوي المتين الجبار القهار المنتقم الخافض الرافع ، هو الذي يُعز وهو الذي يُذل ؛ وهو شديد العقاب ، يحاسب على مثاقيل الذر من الأعمال ، سواء أكانت أقوالاً أم أفعالاً . وكل ذلك يملي على المرء المؤمن الخوف الشديد من الله تعالى ، فمن يعرف صفات الله هذه حري به أن يخشى الله أشد خشية ، فكلما ازداد المرء علماً بالله ازداد خوفه منه ( ). قال الله تعالى : ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ ( فاطر 28 ) . ومع أن المرء الكيس يجمع بين الخوف والرجاء ، عملاً بقول الله سبحانه وتعالى : ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ ( السجدة 16 ) وقوله سبحانه : ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً ﴾ ( الأنبياء 90 ) . لكن ما ينبغي ملاحظته أنه كلما كان المرء قوياً في بدنه وجاهه وماله تطلب منه أن يكون أشد خوفاً من الله تعالى حتى يردعه ذلك عن توظيف عناصر قوته هذه في مظالم قد تغري بها قوته . وفي المجمل فإن الخوف من الله تعالى ، من عذابه وسطوته ينمي في المرء الضمير والوازع الذي ينأى به عن أية مظالم أو مخالفات شرعية في جوانب الحياة المختلفة ومنها الاقتصادية ، إذ إن مغرياتها أشد استدعاءً للمظالم .

ويتظافر مع ذلك في تكوين الضمير والوازع ، الإيمان بأن الله تعالى عالم الغيب والشهادة ، لا يغيب عن علمه شيء مهما كان صغيراً أو مخفياً ، يقول الله تعالى في صفته هذه : ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ ( يونس 61 ) ( ). ولقد سخر الله تعالى ممن يستخفي في عمله من الخلق ولا يستخفي من الخالق : ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنْ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنْ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنْ الْقَوْلِ ﴾ ( النساء 108 ) وفضلاً عن علم الله تعالى بالغيب ، فإنه سبحانه سميع بصير ، لا يغيب عن سمعه وبصره أمر مهما كان خافياً ، وعليه فإن المؤمن بكياسته يدرك أنه ليس بوسعه إخفاء أفعاله وأقواله عن الله تعالى . فهو مطلع عليها بحذافيرها ، فلا يجدر به أن يصدر عنه ما يسخط الله تعالى عليه . ولما كان الله سبحانه مطلعاً أيضاً على كل شيء ، فإنه لا تغيب عنه النيات الصالحة وغير الصالحة ، ولا تخفى عنه مكنونات النفس ، لذا توجب على المرء المؤمن الاستحياء من ربه ، فلا يخفي في نفسه من سوء يطلع الله تعالى عليه ؛ فإذا حسنت سريرة المرء حسن عمله ، وتوجه فيه الوجهة التي ترضي الله تعالى ، وهكذا يتكون الضمير أيضاً ، وتتكون النيات الصالحة التي تريد الخير للناس ، وتمنع عنهم المظالم أيضاً في الوقت نفسه .

ولا بد للمؤمن من أن يعتقد ويؤمن برحمة الله تعالى ، فهو الرحمن الرحيم ، وهما اسم لله تعالى وصفة له تكررت بأوسع ما يكون في كتاب الله تعالى ؛ بل إن الله تعالى : ﴿ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ ( الأنعام  12 ) ومن صفات الرحمن في الله تعالى انه : الرحمن الرحيم الغفار الغفور العفو الودود المجيب الصبور ، وصفة الرحمة مما ينبغي أن يقتدي المؤمن فيها بصنع الله تعالى وعمله في الرحمة ، فيتخذ من الرحمة سلوكاً عاماً له في عمله وعلاقاته بسائر الناس ، فلا يظلم ويعتدي ولا يتجاوز على حقوق الآخرين ، لمنافاة ذلك لصفة الرحمة . وبالمقابل عليه أن يتعاون ويتواصل ويتضامن مع الآخرين ، لأن هذه من صفات الرحمة ، وللرحمة بين الخلق تجليات في الجانب الاقتصادي كان من أهمها :

•    إن من الثمار المباركة لرحمة الله تعالى بعباده في المعاملات الاقتصادية تحقيق الخير والبركة والتكافل والتضامن ، وذلك ما يحفز على التمسك بأحكام الشريعة الإسلامية .
•    زيادة الثقة في المعاملات الاقتصادية والمالية وتيسيرها وسهولتها ، ويقود هذا في حد ذاته إلى الاستقرار والأمان .
•    كما إن التعامل على أساس التراحم يحقق البركة في الأرزاق .
•    كما إن التعامل مع غير المسلمين على أساس الرحمة أيضاً يظهر عظمة الإسلام وسماحته ، فيكون ذلك من أساليب الدعوة الفعالة ( ).
•    والرحمة أيضاً تستدعي مساعدة الآخرين بالاكثار من الزكاة والصدقات والمشاريع الخيرية ، ويسهم ذلك حقيقة في تحقيق السلم الاجتماعي .
•    كما إن الرحمة بالآخرين تمنع من الجشع بأموالهم ، فتسهل المعاملات في السوق ، ويسود الاطمئنان والاستقرار النفسي والسلوكي .

ومن صفات الله تعالى التي تتداخل مع الرحمة العطاء الواسع  ، ويدخل في ذلك صفات الكريم والواسع والوهاب والغني والمغني والباسط . ويتوسط ذلك ويبلوره صفة الكرم ، ويدل اسم الله الكريم على أنه كثير الخير ، وعظيم النفع ، وهو من كل شيء أحسنه وأفضله ، يعطي من دون مقابل ، يعطي من دون سبب ، يعطي من يحتاج ومن لا يحتاج ، يعطي من التجأ إليه ( ). لذلك أراد الله تعالى من عباده أن يتمثلوا سلوك الكريم في معاملاتهم اليومية ، ولا سيما الاقتصادية ، فقال الله تعالى: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ ( آل عمران 92 ) ويمثل ذلك ذروة الكرم في السلوك الإنساني ، بأن يعطي المرء ما يحب ويهوى ، ويدخل في ذلك قول النبي (صلى الله عليه وسلم) : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ( ). وبمثل هذا النمط من السلوك تدخل السماحة والكرم في السلوك الإنساني في جوانبه كافة ، ويسهم ذلك أيضاً في تحقيق التوازن في توزيع الثروة وتخفيف حدة الفوارق الاقتصادية بين الأفراد والجماعات .

وأخيراً لا بد من الإشارة إلى الاسم الأكثر أهمية في هذا الجانب من أسماء الله الحسنى وهو اسم الرزاق الذي تكفل بأرزاق الخلائق كافة ، وهو القائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها ، وهو الذي يرزق كل مخلوق رزقاً بعد رزق ، المكثر منه لعباده ، المنفرد بالرزق والإنعام وحده لا شريك له ( ). فإن الله تعالى لم يخلق الرزق ثم تركه للبشر من غير أن يتحكم بمفاتيحه في كل لحظة  فهو القائم على ذلك ، المدبر له ، وهو القابض والباسط . وفي ذلك قال الله تعالى : ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ ( هود 6 ) أما صنع الله تعالى في الرزق مع عباده فهو على النحو الآتي :

•    إن الله تعالى فضل بعض العباد على بعض في الرزق ، فهم فيه درجات متفاوتة ﴿ وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ﴾ ( النحل 71 ) ولو تساوى الناس جميعاً في الرزق لانعدمت الحياة ، فالاختلاف والتباين ضرورة لا بد منها لديمومة الحياة . فقال الله تعالى : ﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ ( الزخرف 32 ) فلو كان رزق الناس جميعاً على درجة واحدة لما تكاملوا مع بعضهم في الأعمال والمهن والوظائف ، والتباين في الرزق يعقبه الكثير من الابتلاءات والاختبارات ، التي تكشف حقيقة سلوك المرء إزاء غناه أو فقرة ؛ وكيف يسلك مع كل منهما .

•    وقضت مشيئة الله تعالى أن يوسع على بعضهم في الرزق ويضيق على بعضهم : ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ﴾ ( الإسراء 30 ) ( ). ويشمل ذلك المؤمن وغير المؤمن ، فلو ربط الله تعالى هذه المشيئة بالكفر أو الإيمان تحديداً ، لما استقامت الدعوة إلى الحق ، فلو بسط الرزق للكفار تحديداً ، لما وجدتَ مؤمناً ، ولو كان بسط الرزق للمؤمن حصراً ، لما كانت الدنيا دار ابتلاء ، ولما كان ثمة معنى للجزاء ، لأن الناس سيُقبلون على الإيمان لا إيماناً واعتقاداً بل طمعاً في الرزق الواسع ( ). وهكذا قال تعالى : ﴿ كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾ ( الإسراء 20 ) .

•    وتكفل الله تعالى بالرزق لمخلوقاته كافة بما يحفظ حياتهم ، فقال سبحانه : ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾ ( هود 6 ) .
•    إن الله تعالى ينزل رزقه بقدر معلوم ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ (الحجر 21 ) والحكمة من ذلك : ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ (الشورى 27 ) فالتوازن سبب استقرار الحياة واستمرارها على هذا الكوكب .
•    إن الله تعالى يجازي بالمضاعفة لمن ينفق من رزقه في سبيل الله تعالى :﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ (الشورى 20 ) فمن طلب بما رزقه الله تعالى عملاً يريد به الآخرة ، فأدى حقوق الله وأنفق لإعزاز دينه فإنما يثيبه الله تعالى بعشرة أضعاف إلى سبعمائة فأكثر ( ).

•    وإن الله تعالى يزيد في النعمة ويبارك بها لأسباب منها الشكر :﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ ( إبراهيم 7 ) وبالتقوى أيضاً ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ﴾ ( الأعراف 96 ) وبالاستغفار أيضاً : ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً . يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً ﴾ ( نوح 10-12 ) وعلى وفق هذه الاعتبارات يتوجه السلوك الإيماني نحو الاقتصاد :
أن يدرك المؤمن أن الله تعالى هو المنعم على عباده ، ومهما حازه المرء من رزق فلا ينبغي أن يقول كما قال قارون : ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ﴾ ( القصص 78 ) . وأن يدرك المرء أن الله تعالى فاضل بين العباد في الرزق ، بأسباب ومن دون أسباب ، وليس للمرء أن يتذمر ويسخط ويستاء مما قدر الله تعالى له من رزق ، ولكن ذلك لا يمنع من السعي والأخذ بالأسباب . فلذلك على المرء أن يدرك أن الله تعالى يوسع الرزق لإثنين : مؤمن وفاسق لحكمة ، ويضيق الرزق على إثنين : مؤمن وفاسق لحكمة أيضاً .

وأخيراً لا بد من الوقوف عند صفة أخرى من صفات الله تعالى ، وهو أنه سبحانه قد أحسن وأتقن صنعه ، فقال سبحانه بحق نفسه :﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ ( النمل 88 ) . لذلك فإن الله تعالى أراد الإحسان والإتقان من عباده أيضاً ، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) : ( إن الله  عز وجل كتب الإحسان على كل شيء ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح ، وليحد أحدكم شفرته ، وليرح دابته ) ( ). وقال أيضاً : ( إن الله تعالى يحب من العامل إذا عمل أن يحسن ) ( ). وقال أيضاً : ( رحم الله امرءاً أحسن صنعته ) ( ). وكل ذلك مدعاة للمرء المؤمن أن يتقن في كل عمله ويحسن فيه ، ويؤدي النصيحة في عمله ، ويريد الخير حقيقة للناس في عمله .

2- الإيمان بالأركان الأخرى
فالمؤمن يعتقد بوجود الملائكة ، فقد نص على ذلك القرآن الكريم : ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ . كِرَاماً كَاتِبِينَ . يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ ( الانفطار 10-12 ) وقوله : ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ . مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ ( ق 17 – 18 ) ثم قول النبي (صلى الله عليه وسلم) : ( يتعاقبون عليكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ) ( ). وذلك كله من باب التأكيد أن المرء يقع تحت مراقبة وملاحقة شديدة فلا يغيب عن علم الله تعالى من عمله أدنى شيء . ما يوجب على المؤمن أن يتحفظ في سلوكه من قول وعمل ، فذلك كله تسجله الملائكة وتحصيه عليه ، فيسأل عنه يوم القيامة ، ومن اللازم أن يقع في ذلك كل جوانب السلوك الاقتصادي للمسلم مع نفسه وأهله أو مع الآخرين في مختلف أوجه المعاملات .

والمؤمن الصادق في إيمانه يؤمن بأن الله تعالى أنزل على رسله كتباً تضمنت الهداية لبني البشر ، يؤمن بهذه الكتب كلها بأنها من الله تعالى ، ولكنه يلزم نفسه بالإيمان العملي السلوكي بالقرآن الكريم بوصفه الكتاب المنزل على النبي (صلى الله عليه وسلم) ، فلا يصح إيمان ولا إسلام إلا بذلك . فقال الله سبحانه وتعالى : ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً ﴾( النساء 105 ) وقوله سبحانه :﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾ ( النحل 44 ) وهو الكتاب الذي فيه هداية مطلقة للناس لا تصح من دونه هداية : ﴿ الم . ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾( البقرة 1-2 ) .
وطبيعة الإيمان بالقرآن الكريم توجب الإيمان به كله ، فلا يجوز الإيمان ببعضه وترك بعضه ، لذا عاب الله تعالى على جماعة صنعوا مثل ذلك ، فقال الله سبحانه بشأنهم : ﴿ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ﴾( الحجر 91 ) قال ابن عباس ( رضي الله عنهما ) : آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه ( ). وعاب الله تعالى أيضاً على بني إسرائيل مثل هذا الصنيع :﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ ( البقرة 85 ) . لذا لا يحل لمؤمن أن يؤمن ببعض آي القرآن الكريم ولا يؤمن ببعض .

كما إن الإيمان بالقرآن الكريم يقتضي العمل بموجبه أيضاً : ﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (30) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنْ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً ﴾( الفرقان 30 ) وفيه تحذير من عدم مراجعة القرآن الكريم وتدبره والعمل به . ولا سيما إن القرآن الكريم يتضمن الكثير من القواعد والأحكام الشرعية ذات الطبيعة الاقتصادية ، وهي في أبرز خطوطها تتضمن الأمر بالإنفاق والتصدق وأداء الزكاة ( )، وعد اكتناز المال ( )، وتحريم الربا ( )، وعدم تطفيف الكيل والميزان ( )، والتزام العهود والمواثيق ( )، وأداء الأمانات ( )، والحث على العمل ( )، والنهي عن أكل مال اليتيم ( )، وعدم أكل أموال الناس بالباطل ( )، إلى غير ذلك من أبواب المعاملات التي يتحتم على المؤمن العمل بموجبها ، فإن خالف في شيء من ذلك من دون مسوغ شرعي حلّ عليه سخط الله تعالى .

يأتي بعد ذلك الإيمان بنبوة النبي (صلى الله عليه وسلم) ، فقال سبحانه وتعالى : ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ﴾ ( الصف 9 ) فلا يتم إيمان المرء إلا بالإيمان بنبوة النبي (صلى الله عليه وسلم) . ويتبع هذا الإيمان العمل بما جاء به النبي (صلى الله عليه وسلم) بتصديقه والأخذ بسُنته واتباعه والاقتداء به ( )، فقال الله تعالى : ﴿ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾ ( النساء 65 ) وقوله أيضاً : ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ ﴾ ( آل عمران 31 ) وتأكد هذا الوجوب بان جعل الله تعالى طاعته من طاعة رسوله : ﴿ مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ (النساء 80 ) وفي ذلك إلزام عميق بأن طاعة الله تعالى تعني ضرورة الأخذ بما جاء به النبي (صلى الله عليه وسلم) من أحكام وشرائع ، سواء أكانت بنص القرآن أو بنص السُنّة، فلا يرد شيء من ذلك ، ويقع في ذلك الكثير من الأحكام الشرعية التي تنظم جوانب الحياة الاقتصادية .

فقد ضمت السُنّة النبوية ربما المئات من الأحاديث التي وصفت الكثير من الأحكام الشرعية والقواعد السلوكية التي تنظم الحياة الاقتصادية الإسلامية ، ففي مجال البيوع مثلاً وما تنطوي عليه السُنّة من أحاديث تنظمها في جوانبه المختلفة قال النبي (صلى الله عليه وسلم) في باب الوفاء بالعقود والنهي عن الغدر : ( لكل غادر لواء يوم القيامة ، يقال : هذه غدرة فلان ) ( ). وبشأن السماحة في المعاملات قال النبي (صلى الله عليه وسلم): ( رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع ، وإذا اشترى ، وإذا أقتضى ) ( )، وقال (صلى الله عليه وسلم) بشأن الأيمان الخاصة بالبيوع : ( الحلف منفقة للسلعة ، ممحقة للبركة ) ( )، وقال أيضاً : ( أربعة يبغضهم الله : البائع الحلّاف ... ) ( )، كما قال بشأن تأخر الديون : ( مطل الغني ظلم ) ( )، وبشأن الاحتكار قال النبي (صلى الله عليه وسلم) : ( الجالب مرزوق ، والمحتكر ملعون ) ( )، وفي الغش في المعاملات قال (صلى الله عليه وسلم) : ( من غشّ فليس مني ) ( )، ونهى عن النجش أيضاً  ، فمن حديث ابن عمر ( رضي الله عنهما ) : ( نهى النبي (صلى الله عليه وسلم) عن النجش ) ( ) ، إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي يترتب على المؤمن العمل بها وعدم تجاهلها ، ومخالفتها مجلبة لسخط الله تعالى واستحقاق المرء للعقاب .

أما الإيمان بالبعث والحساب واليوم الآخر ، فهو التصديق الواثق المتيقن بأن الحياة الدنيا ستنتهي لا محالة ، وأن البشر سوف يُبعثون من قبورهم ، فينشرون ويحشرون ويحاسبون ، ثم يكون لهم إحدى دارين إما جنة الخلد وإما العذاب المقيم . ويقتضي هذا الإيمان الاستعداد لمثل هذا الحساب والسؤال الذي لا يفوته مثقال ذرة من عمل الإنسان ، فكل ذلك يوضع في إحدى كفتي الميزان ﴿ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ﴾ ( الأعراف 8 ) وقد ربط القرآن الكريم بين العمل والمآل يوم الحساب فقال سبحانه : ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ( القصص 83 ) وقال سبحانه : ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً ﴾ ( الإسراء 16 ) . ثم قال سبحانه :﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ (التوبة 34-35) .

وتنبئ هذه الآية عن سلوك اقتصادي عميق يقوم على عدم جواز حجر المال واكتنازه – والاكتناز هو غير الادخار - ومنع فائدته عن المجتمع ، وخلاف ذلك أن ينفق هذا المال في سبيل الله ويستثمره حتى يعم نفعه المجتمع كافة ( ). كما إن مما يمليه الإيمان بالآخرة من سلوك ضرورة الاستعداد للحساب بكل أنواع السلوك الإيجابي بالصدق في القول والإصلاح في الأعمال ، وحسن المعاشرة مع الخلق ، والنصح للعباد ، وأداء الأمانة والوفاء بالعهد ، وأداء الالتزامات في المعاملات المالية ، ونحوها من سائر العقود والتعهدات ( ). فقال الله سبحانه وتعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾ ( الحشر 18 ) وقوله : ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ﴾ ( البقرة 197 ) والتزود يكون بالإكثار من الأعمال الصالحة من إنفاق وبذل الصدقات ، ولا سيما الدائمة منها كالصدقة الجارية التي تحقق النفع والخدمة العامة لفئات واسعة في المجتمع . كما إن الإيمان بالآخرة، والاعتقاد بزوال هذه الحياة الدنيا ، يزهد المرء بمتاعها وملاذها بنية التقرب إلى الله تعالى ، فلا يسرف ولا يبذر، بل يضع الأمور في نصابها المناسب . كيف لا والكل سوف يوافي يوم الحساب مجردون من كل حول وطول ، مجردون من كل قوة : ﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ . إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ ( الشعراء 88-89 ) ، ومما يؤكد عجز المرء حينها أنه يوافي ربه وحيداً مجرداً ، فقال الله سبحانه وتعالى : ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾( الأنعام 94 ) ، مثل هذه المشاهد تبعث في المرء قمع نزوة الجشع والطمع ، وهما النزوتان اللتان تدفعان المرء إلى الكسب الحرام والوقوع في ظلم الآخرين وأكل مالهم بالباطل .

هذا يقود إلى أمر آخر له أهميته البالغة , هو أن المرء سيوافي ربه يوم القيامة مجرداً من كل شيء , حتى ثيابه , فكل ما كسبه وجمعه وجعله أرقاماً متضخمة , كل ذلك سيتركه المرء وراء ظهره ﴿ وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ﴾( الأنعام 94 ) وهذا ما يستدعي التأني والتأمل , فإذا كانت المنافسة لا بأس بها من أجل تحقيق غايات الاستخلاف في الأرض إلا أن الأمر لا يستأهل حد التكالب والتنازع والتحارب من أجل تعظيم المكاسب المادية إذ إننا نجد أن المنافسة غالباً ما تتخذ أساليب الدسائس والمؤامرات والمخادعات وإلحاق الضرر بالمنافسين , كل ذلك حتى تكون المكاسب أكبر , ثم يأتي بعد ذلك يوم يموت فيه المرء ليترك وراءه ما جمعه وليأخذ معه سلوكه وعمله فحسب , ثم يحاسب على كل ذرة منه إن خيراً أو شراً !
وأخيراً أن يؤمن المرء بالقدر خيره وشره من الله تعالى ( ). فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) : ( لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره ، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ) ( ). والقدر سر من أسرار الله تعالى اختص نفسه به ، وضرب دونه الأستار وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم ، فلم يطلع عليه نبي مرسل ولا ملك مقرب ( ) .

أما الجوانب السلوكية المترتبة على الإيمان بالقدر فيمكن إجمالها بالجوانب الآتية :
•    الصبر والاحتمال ، والصبر حبس النفس على المكروه ، ومنع اللسان من الشكوى ( ). وحقيقة الصبر عند أول وقوع المصيبة ، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم)  : ( الصبر عند الصدمة الأولى ) ( ). والصبر هو التسليم التام الحقيقي الصادق لأقدار الله تعالى من دون تبرم أو شكوى للناس ( ). ولا سيما أن الله تعالى عوض الصابر المحتسب عن مصيبته بأعظم الثواب ، فقال سبحانه : ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ( الزمر 10 ) .

•    والإيمان بالقدر يحول دون وقوع المرء في سلوكيات منحرفة أو خطيرة جداً ، فالذي لا يؤمن بالقدر يصاب بالجزع واليأس والقنوط ، وقد يدفعه ذلك إلى الانتحار ، وقد يجن بعضهم ، أو تصيبه الوسوسة ، وربما وقع بعضهم بأفدح المخاطر الصحية كأن تصيبه جلطة ما أو سكتة قلبية ، أو ما شاكل ذلك ( ). فمن وطن نفسه على الإيمان بالقدر يضع في حسابه خسران ماله وتجارته وكل ثروته لسبب ما ، فتراه في مثل هذه الحال لا يزيد على القول كما وصف سبحانه وتعالى : ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ ( البقرة 156 ) ويحتسب ما حصل له عند الله سبحانه وتعالى ، ولا سيما أنه يدرك جيداً أن المال والملك كله لله تعالى . فلله ما أعطى ولله ما أخذ .
•    ومن امتلأ قلبه إيماناً بالقدر امتلأ قلبه أيضاً بالرضا عن الله تعالى والتسليم له ، لأنه سبحانه لا يعطي إلا لحكمة ولا يقبض إلا لحكمة ( ). وهو بذلك يسلم من الاعتراض على سبحانه وتعالى . في حين تجد من لا يدرك حقيقة القضاء والقدر يعترض على الله فيما يحل به من مصائب ونكبات ، واعتراض المرء على الله تعالى وأقداره يقدح كثيراً في إيمانه وفي توحيده لله تعالى أيضاً .

•    والمؤمن بالقدر يدرك جيداً أن أي أذى يلحق به أو مصيبة تصيبه في ماله وأهله وولده على أنه في باب الابتلاء ، والدنيا أصلاً لا توجد فيها لذة خالصة ( ). والمرء في ذلك في مواجهة امتحان حقيقي ، فإن  كان كيساً فلا يفوت فرصة للنجاح في مواجهة الابتلاءات ، فيفوز بأعظم مما فقده ، كما تقدم قوله ، وأما إن فعل غير ذلك خسر الدنيا ومعها الآخرة .
•    كما إن المؤمن بالقدر يخاف الخاتمة ، فهو لا يعرف بأي شيء سيُختم له ، وهو لا يدري متى سيحل به قدر الموت ، فإذا أدرك أن الخواتيم ميراث السوابق ( ). بادر إلى الأعمال الصالحة ليأخذ نصيبه منها ، فعسى أن يُختم له بها . وتجنب أعمال السوء خوفاً من أن يُختم له بها . ولا ريب في أن الكثير من هذه الأعمال – الصالحة وغير الصالحة – ذات طبيعة اقتصادية .

•    والمؤمن بالقدر حقيقة ترسخ في سلوكه عزة النفس والقناعة والتحرر من رق المخلوقين ، فلا يكون عبداً إلا لله تعالى . لأنه يدرك أن رزقه مكتوب عند الله تعالى ، وأنه لن يموت حتى يستوفي كامل رزقه ، ولا يكون ذلك إلا بقضاء الله وقدره ، ومهما حاول العباد أن يمنحوه ما لم يُقدر له فلن يناله ، ومهما حاولوا منعه من رزق قضى الله تعالى له به ، فلن يمنعه أحد ، وهو بذلك لا يخنع لأحد ، ولا يخضع لمخلوق ، ولا يذل لبشر ، بل يدخر ذلك كله لله تعالى ليكون عبداً خالصاً له ( ). لذا جاز لنا القول أن الإيمان بالقضاء والقدر هو أقصى درجات الحرية بالنسبة للعباد ، فلا يدينون بالدنية لأحد من الخلق .
•    وفضلاً عن كل ذلك فإن المؤمن بالقدر تسري في نفسه الطمأنينة والسكينة ، فيربح نفسه من هم التطلع إلى ما لم يكن – ولا يحول ذلك دون السعي والأخذ بالأسباب – ويخفف عن نفسه عناء ما يصيبه من مكروه ، فقال الله سبحانه : ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ﴾ ( الحديد 22-23 ) .




الخاتمة:
إن أهم الجوانب السلوكية التي يمكن الخروج بها من هذا البحث ، وبما يتعلق بجوانب الأنشطة الاقتصادية الرئيسة ، الإنتاج والتوزيع والاستهلاك هي :
•    إن الإنسان خُلق للعبادة والعمل معاً ، ففضلاً عن العبادة فإن الله تعالى خلقه واستخلفه من أجل إعمار الأرض ، فلا مكان للتهاون والتكاسل والتواكل ، بل لا بد من العمل والإنتاج .
•    لا يحل للمؤمن أن يكنز ثروته ، بل لابد له من أن يجعل نفعها عاماً ، وذلك من خلال استثمارها والإنفاق منها في أوجه الخير المختلفة ، وقد نبهنا أن الاكتناز هو غير الادخار .
•    لا بد من تحقيق التوازن في توزيع الثروة ، وذلك من خلال أعمال التكافل الاجتماعي المختلفة ، وبما يحقق قدراً  مهماً من الاستقرارية النفسية والسلوكية في المجتمع .
•    والمؤمن يتوكل على ربه في طلب الرزق ، توكله متعلق بقلبه ، ويجتهد في الأخذ بالأسباب ، ثم لا يقنط ويبتئس إذا ضاق عليه رزقه ، ولا يبطر ويعتد بنفسه أنه صاحب الحول والقوة إذا ما وسّع الله تعالى عليه رزقه ، فيقع فيما وقع فيه قارون .
•    وفيما يتمتع به المؤمن من فرص الاستهلاك والتمتع بالطيبات ، لا بد من أن يكون متوازناً فلا يسرف ولا يبذر ، بل يقنع بالقدر المناسب من ذلك ، ولا ينسى إخوانه من المؤمنين ، فيواسيهم في ذلك لأن الأمر من تمام الإيمان .
•    ولأن المؤمن عرضةً للبعث والحساب يوم القيامة فإنه لا مكان للجشع والطمع والكسب الحرام ، فالعاقل من حاسب نفسه قبل يوم الحساب حتى يدرأ عن نفسه شدّة الحساب وهول المطلع يوم القيامة .
•    وفي المعاملات كلها لا بد من الالتزام بهدي الكتاب والسُنّة ، فشريعة الله تعالى أكمل وأتم وأصح وأهدى من كل النظريات – الرأسمالية والاشتراكية – لأن شرع الله تعالى منزّل من لدن عليم حكيم يريد الخير لعامة بني البشر .
•    وتحت تأثير عوامل الاضطراب المختلفة التي تعصف بأرجاء كثيرة من العالم الإسلامي لم يعد الإيمان يأخذ مداه المناسب في توجيه سلوك الأفراد والجماعات والحكومات ، الأمر الذي يوجب العمل على وضع خطة شاملة لتفعيل هذا الجانب ( الإيمان ) بما يسهم في إعادة رسم ملامح السلوكيات العامة والخاصة ، حتى تحل مفاهيم الحلال والحرام بوصفها العامل الرئيس الذي ينتظم حياة الجماعة الإسلامية ويوفر لها الاستقامة والرفاهية .
•    كما إن من أهم ما يمكن تأكيده من خلال هذه الدراسة  أن من بين تجليات الإيمان الرئيسة  كونه برنامجاً فعالا ًلتحقيق التنمية الحقيقية في الموارد البشرية , إذ إن تفعيل معطيات الإيمان العميقة يرتقي بالسلوك الاقتصادي للمرء بما يجعله أكثر إيجابية في تحقيق مفردات التنمية الاقتصادية والاجتماعية , وبما يحقق قدراً أكبر من الرفاه المتوازن بين فئات المجتمع المختلفة .


مراجع البحث ومصادره
-    ابن أبي شيبة ، المصنف ، تحقيق : كمال يوسف الحوت ، مكتبة الرشيد ( الرياض : 1409 هـ ).
-    ابن تيمية ، العقيدة الواسطية ، شرح : صالح الفوزان ، دار العقيدة للتراث ( الاسكندرية : 2005 )
-    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ، مجموع الفتاوى ، مؤسسة الرسالة ( بيروت : 2002 ) .
-    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ، كتاب الإيمان ، المكتب الإسلامي ( دمشق : د/ت )
-    ابن حجر ، فتح الباري شرح صحيح البخاري ، تحقيق : الشيخ عبد العزيز بن باز ، المطبعة السلفية ( القاهرة : 1380 هـ )
-    ابن القيم ، الجواب الكافي  ، تحقيق : أسامة بن حسين عبد المجيد ، دار الجيل ( بيروت : د/ت )
-    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ، شفاء العليل ، تحقيق : سيد عمران والسيد محمد سيد ، دار الحديث ( القاهرة : 2005 ) .
-    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ، مدارج السالكين ، تحقيق : محمد الفقي ، دار الكتاب العربي ( بيروت : 1973 ) .
-    ابن ماجة ، سنن ابن ماجة ، المكتبة الشاملة ، الإصدار الأول .
-    أبو نعيم الأصفهاني ، حلية الأولياء ، دار الكتاب العربي ( بيروت : 1405 هـ ) .
-    الآجري ، كتاب الشريعة ، تحقيق : فريد عبد العزيز الجندي  ، دار الحديث  ( القاهرة : 2005 ) .
-    الإمام أحمد بن حنبل ، الزهد ، تحقيق : يحيى بن محمد ، دار ابن رجب ( د/م : 2003 ) .
-    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ، المسند ، المكتبة الشاملة ، الإصدار الأول .
-    أحمد بن عطية الغامدي ، الإيمان بين السلف والمتكلمين ، مكتبة العلوم والحكم ( المدينة المنورة : 2002 )
-    أحمد يوسف ، القيم إسلامية في السلوك اقتصادي ، دار الثقافة  ( القاهرة : 1990 ).
-    أدهم صلاح الدين ، العقيدة وسلوك المسلم          www.halielislam.com
-    أسماء بنت راشد الرويشد ، التوكل على الله ، دار الوطن للنشر ( د/ م : د/ت ).
-    البخاري ، صحيح البخاري ، المكتبة الشاملة ، الإصدار الأول .
-    البيهقي ، شعب الإيمان ، المكتبة الشاملة ، الإصدار الأول .
-    الترمذي ، سنن الترمذي ، المكتبة الشاملة ، الإصدار الأول .
-    حسن شحاته ، أصول منهج التربية الاقتصادية في الإسلام      www.domiatwindo.net
-    سيد قطب ، في ظلال القرآن ، دار الشروق ( القاهرة : 1412 هـ )
-    سمير محمد نوفل ، دور العقيدة في الاقتصاد الإسلامي         www. Kotobarabia .com
-    عبد الحميد براهيمي ، العدالة الاجتماعية والتنمية في الاقتصاد الإسلامي ، مركز دراسات الوحدة العربية ( بيروت : 1997 )
-    عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ، فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ، دار الفكر ( بيروت : د/ت ) .
-    عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر ، أسباب زيادة الإيمان ونقصانه ، دار ابن الجوزي ( الدمام : 1433 هـ )
-    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ، فقه الأسماء الحسنى ، دار التوحيد للنشر ( الرياض : 1429 هـ )
-    عبد الله عبد الحميد الأثري ، الإيمان ، دار الوطن للنشر ( الرياض : 2003 )
-    عبد الله سراح الدين ، الإيمان بعوالم الآخرة ومواقفها ، دار الفلاح ( حلب : 1984 ) .
-    عبد القادر عودة ، المال والحكم في الإسلام ، دار النذير ( بغداد : 1964 ) .
-    فاضل عبد الله الجسب ، في الفكر الاقتصادي العربي الإسلامي ، دار العربية للطباعة ( بغداد : 1979 ) .
-    فؤاد عبدالله العمر ، أخلاق العمل ، المعهد العالمي للبحوث والتدريب ( جدة : 1999 ) .
-    القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ، دار إحياء التراث العربي ( بيروت : د/ت ) .
-    محمد بن ابراهيم التويجري ، كتاب التوحيد ( د/م: 2009 ) .
-    محمد بن ابراهيم الحمد ، الإيمان بالقضاء والقدر ، دار الوطن ( الرياض : 1416 هـ ) .
-    محمد البهي ، الدين والدولة ، مكتبة وهبة ( القاهرة : 1980 ) .
-    محمد حسان ، الإيمان بالقضاء والقدر ، مكتبة فياض ( المنصورة : 2006 ) .
-    محمد عمر زبير ، دور الدولة في تحقيق أهداف الاقتصاد الإسلامي ، المعهد الإسلامي للبحوث والدراسات ( جدة : د/ت ) .
-    محمد قطب ، ركائز الإيمان                        http: www.sahwah.net
-    محمد الوردي ، الإيمان ودوره في توجيه الأخلاق        www.maghress.com
-    محمد يوسف أحمد دوفش ، الابتلاء في القرآن الكريم ، رسالة ماجستير غير منشورة ( الجامعة الأردنية : 1988 ).
-    مسلم ، صحيح مسلم ، المكتبة الشاملة ، الإصدار الأول .
-    النسائي ، سنن النسائي ، المكتبة الشاملة ، الإصدار الأول .
-    يوسف القرضاوي ، الإيمان والحياة                     www.qaradawi.net
-    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ، دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي ، مكتبة وهبة ( القاهرة : 1995 ) .

 
‌تعد حجة النبي صلى الله عليه وسلم(حجة الوداع) ممارسة عملية، لجوانب اساسية ومهمة في ديننا الحنيف، وفي مقدمتها الشعائر التعبدية، والتي تمثلت بمناسك الحج، والعودة بالناس إلى دين ابراهيم الخليل ونبذ كل الت‌
‌ملخص البحث دور الإيمان في توجيه السلوك الاقتصادي للمسلم إن من أهم ما يمكن ملاحظته – ولا سيما على المستوى الاقتصادي – ذلك التلازم الكبير بين مفاصل العقيدة ومجمل السلوك اليومي للمرء . وطالما إن الأم‌
‌ تشكل الأخلاق مجموعة من القواعد والمبادئ، التي تُحدد ما ينبغي أن يكون عليه السلوك الإنساني، وعلى أساسها يكون مقبولاً أو مرفوضاً، وتعد إشكالية أسس القيم الخلقية من أبرز وأقدم الإشكاليات الفلسفية التي ‌
‌تثار بين الحين والأخر شبهات وافتراءات تخص الفتح الإسلامي للمنطقة الكردية وما رافق هذا الفتح من تداعيات ونتائج، حيث تطفو على السطح الأفكار والمعتقدات التي طالما تشدق بها المستشرقون والمنصرون وتلامذتهم ‌
‌ بينما كانت القوات البريطانية منشغلة بتمشيط منطقة برواري بالا من الثوار خوفًا من قيامهم بانتفاضة أخرى تعيد إلى الأذهان انتفاضة العمادية، انقض الثوار الكرد على معسكر سواره توكا، وأحدثوا فيه خسائر جس‌
‌معركة سوارة توكا: كانت حادثة إحتلال الإنكليز لمدينة العمادية للمرة الثانية وإعتقال العشرات من سكانها وإعدام آخرين، بجانب الملحمة البطولية التي سطرها الثوار إبان معركة مضيق مزيركا (حافزًا) لعدد من ز‌
‌ كان لابد لسلطات الاحتلال البريطاني، بعد أن أعادت احتلالها لمدينة العمادية، أن تتفرغ للثوار الذين انسحبوا الى منطقة برواري بالا، خلف جبل متين، لئلا تتصل انتفاضتهم بانتفاضة منطقة زاخو، التي يقوم بها ث‌
‌بعد احتلال بامرني وإعتقال زعماء الطريقة النقشبندية، كان لابد للإنكليز من إعادة السيطرة على مدينة العمادية التاريخية، عاصمة الإمارة البهدينانية لعدة قرون خلت، والتي بقيت تدار من قبل المقاتلين الكرد لمد‌
1 من 8 المجموع 40     
 
 
  
Copyright ©, All Right Reserved.