دراسات
القيم السلوكية الحضارية في حجة النبي
التأریخ: 18/07/2018
عدد المشاهدات:   438


  
الأستاذ الدكتور
عبدالستار جاسم محمد الحياني
  عضو هيئة التدريس – كلية الامام الأعظم (رحمه الله) الجامعة

            



المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. وبعد..


      تعد حجة النبي صلى الله عليه وسلم(حجة الوداع) ممارسة عملية، لجوانب اساسية ومهمة في ديننا الحنيف، وفي مقدمتها الشعائر التعبدية، والتي تمثلت بمناسك الحج، والعودة بالناس إلى دين ابراهيم الخليل ونبذ كل التخرصات والسلوكيات المخالفة لدين الله القويم، التي ابتدعها العرب في شعائرهم. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام حين خطب الناس في حجته تلك: ((إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ، أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ " قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ ذَا الحِجَّةِ؟» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ البَلْدَةَ؟» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: " فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ - قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ - وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلاَ فَلاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلاَ لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ -  ثُمَّ قَالَ - أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ مَرَّتَيْنِ))( ).

      فحدد عليه الصلاة والسلام في خطابه هذا، المعالم الأساسية لهذا الدين، فلا ينبغي لأحد أن يتجاوزها، ورسم المنهج الذي يسير عليه المسلمون، في تعاملاتهم مع بعضهم البعض، وكأنه يشير إلى المغالاة التي يمكن أن تكون سبباً في التكفير المفضي إلى القتل. فلا بد من الفهم السليم للمنهج الصحيح لمن سمع ومن بُلغ على حد سواء. ولكل الأجيال من بعدهم مع تعاقب الأزمان والأحوال.

        وكان لهذه الرحلة المباركة أثر كبير في تجسيد العديد من القيم الحضارية التي جاء بها الإسلام كونها ممارسة عملية للعديد من المفاهيم والأسس الشرعية والأخلاقية والفلسفية في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. ولاسيما أنه عليه الصلاة والسلام اولاها أهمية كبرى بالإعداد والتهيئة، وتبليغ الناس بموعدها، ليتسنى لهم الحضور في الموعد المحدد، وكأنه أراد بذلك أن يتعايش اكبر عدد من المسلمين مع هذه الرحلة ويشهدوا عن قرب ممارسات تعبدية عملية، وقيم حضارية – معنوية وسلوكية وأخلاقية و... -  هم بأمس الحاجة إلى تجسيدها في واقع حياتهم العملية. فموضوع البحث: هو دراسة القيم السلوكية الحضارية التي مارسها عليه الصلاة والسلام في حجته (حجة الوداع). وأما هدفه: فهو إبراز الجوانب التطبيقية السلوكية الحضارية في حجته صلى الله عليه وسلموبيانها للدارسين والمهتمين ومن ورائهم المسلمين الذين ينبغي عليهم الاقتداء به عليه الصلاة والسلام. وأما السبب الذي دعاني لأن اكتب في مثل هذا الموضوع: فهو تنامي ظاهرة الإساءة إلى الإسلام، وتتابع حملات الطعن في مقدسات المسلمين، والسخرية من شعائرهم وشرائعهم، في حملات مسعورة يقودها ساسة ورجال دين، تُساندهم وسائل إعلام متنوعة، إلى أن وصلت هذه الحملات للتعرض لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالإساءة إلى شخصه الكريم. محاولاً ابراز جانباً من الجوانب الحضارية التطبيقية في حياته عليه الصلاة والسلام، ولاسيما في رحلته رحة الحج المباركة.

      ومن هنا تكونت فكرة البحث ولاسيما أن الإسلام يملك في أنساقه المعرفية أنموذجاً قيمياً ذا طبيعة خاصة لتحريك الحياة نحو ترقية الوجود، ويبلغ الغاية في وصل الإنسان بربه، تعبداً وتعقلاً وتخلقاً، ويبلغ الكمال في وصل الإنسان بأخيه الإنسان، ولاسيما المسلم، عقلاً وروحاً وسلوكاً للوصول إلى درجات الإحسان، كما يبلغ المنتهى في التعامل مع مفردات الكون انتفاعاً واستثماراً، وأن ما تعانيه الأمة الإسلامية اليوم انحساراً حضارياً( ). فجاء بحثنا لتسليط الضوء على جانب من جوانب تلك القيم التي أكدها الرسول صلى الله عليه وسلمبأقواله، وجسدها بممارساته وافعاله، وتعايش بها مع أبناء مجتمعه . فحضارتنا الإسلامية منذ تأسيسها – القرآني والنبوي – كانت حضارة قيم ومفاهيم، وليست حضارة صور وأشكال. غايتها تنمية الإنسان في سعيه الحضاري والإرتقاء به في مراتب الكمال العقلي والخلقي، لترسيخ الذات الإنسانية ودورها في البناء الحضاري، للوصول إلى الغاية المنشودة للإستقامة في القول والعمل.

       فالإسلام يرفض في منهجه تحريك الحياة أية قيمة تسلب من الإنسان إنسانيته، أو تهدر كرامته، إذ الغاية في كمال الأخلاق بتزكية النفس مقصداً وسلوكاً. والأحكام الشرعية ولاسيما مناسك الحج لا تنفك عن القيم الحضارية بكل صورها بل يكمل بعضها البعض. ومن أجل تجسيد هذه القيم مضى الإسلام يرسم أسس الحياة الجديدة، في أركان المجتمع، فأزال الفروق بين الطبقات والطوائف، واهتم بالجوانب النفسية والعقلية والسلوكية والصحية للإنسان، ولم يقف عند هذا الحد بل تجاوز الأمر ليهتم بالحياة الاجتماعية للمجتمع وتقوية الروابط والأواصر بينهم. ليبني كياناً مستقلاً ومتينا للإنسان باعتباره الحجر الأساس في تجسيد القيم الحضارية الخالدة على ارض الواقع، ليرتقي به بعد ذلك روحياً وعقلياً وجسدياً وسلوكياً نحو السمو الكامل الذي يحقق له إنسانيته، مما يؤمن له الأمن والرخاء( ). 

      وقد سُلطت الأضواء في بحثنا على القيم السلوكية الحضارية في حجته عليه الصلاة والسلام ولاسيما قيمة الالتزام، سواء بالجوانب التعبدية المتمثلة بممارسة نسك الحج وشعائره التعبدية، وفق المنهج الاسلامي الصحيح، من غير تنطع أو تشدد أو مغالاة. أم القيم السلوكية في التعامل مع ابناء المجتمع ولاسيما وهم في ظروف صعبة ومعوقات متعددة، متمثلة بمشاق سفر وعناء طريق وقلة زاد، وكثرة عدد، وتطلب حضور وتواجد من الجميع في مكان واحد، مع المراعاة لتلك القيم السلوكية الحضارية التي فلسفها الإسلام وتحويلها في هذا الميدان إلى واقع فعلي وممارسات عملية، على مستوى الأفراد والجماعات. متبعاً في ذلك منهجية استقرائية استنباطية تحليلية من خلال الاحداث والممارسات التعبدية الخاصة بالحج والتي مارسها عليه الصلاة والسلام في حجته حجة الوداع.    

      وقد قسمت بحثي إلى ثلاثة مباحث عالجت في الأول القيم الحضارية السلوكية التي تعامل بها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلممع مناسك الحج، مسلطاً الأضواء على قيمة الالتزام والوقوف عند الحدود الشرعية التي أنزلها الله  في التعامل مع الشعيرة التعبدية للنسك، من غير إفراط أو تفريط. أما المبحث الثاني فخصصته للقيم الحضارية السلوكية التي جسدها رسولنا صلى الله عليه وسلمفي التعامل مع ابناء مجتمعه ولاسيما حجاج بيت الله الحرام، مبيناً المساحة التي يمكن للمسلم أن يتأمل بها مع الآخرين من غير اضرار بهم، أو انتقاص من كرامتهم، بل لابد من مراعاة لقيمهم الاجتماعية والنفسية والأخلاقية. اما المبحث الثالث فكان لبحث القيم الحضارية التي جسدها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلمفي رحلة الحج في تعامله مع البيئة التي يعيش عليها الإنسان ولاسيما المسلم، ويأكل من خيراتها وينعم بطبيعتها الخلابة التي احسن صنعها ربنا لتكون له بعد ذلك مكمناً أمناً مريحاً، لحياة هانئة كريمة.

        فكانت الإضافة الجديدة في بحثنا إبراز القيم السلوكية الحضارية ، التي تعامل بها نبينا الكريم صلى الله عليه وسلمفي حجته – حجة الوداع –  وتسليط الضوء على قيمة الالتزام التي أكد عليها عليه الصلاة والسلام في كل سلوكية من سلوكيات الحج، وجسدها في الواقع الفعلي والممارسات العملية في تأدية المناسك، نابذاً لروح التشدد والتنطع والتكلف، رافضاً لتكليف الناس ما لا يطيقون، مؤكداً على الروح التسامحية التي جاء بها الإسلام في تطبيق الجوانب التعبدية والأخلاقية والمعنوية على حد سواء.

      ولا أزعم اني قد اتيت بما لم يدرس من قبل الباحثين ممن سبقني، فقد دُرست القيم الحضارية لديننا الإسلامي الحنيف من قبل العديد من الباحثين والدارسين، ولجوانب متعددة، ومن ذلك على سبيل المثال كتاب تعميق ثقافة الحج واشاعة قيمه الحضارية للكاتب نور الدين بن مختار الخادمي، تكلم فيه الباحث عن انشطة الحج ومقاصده التي يجب أن تنعكس على سلوكيات المسلم، كالسلام والتربية القويمة. إلا أنني لم أعثر على دراسة عنت بالقيم الحضارية لحجة النبي صلى الله عليه وسلمولاسيما القيم السلوكية التي مارسها في تلك الرحلة المباركة.               
          


المبحث الاول:
 القيم السلوكية الحضارية في تعامله صلى الله عليه وسلممع المناسك والشعائر التعبدية

        المناسك: جمع منسك بفتح السين وكسرها وهو المُتعبَّد. ويقع على المصدر والزمان والمكان ثم سميت أمور الحج كلها مناسك. والنُّسكُ والنُّسُكُ: الطاعة والعبادة وكلُ ما تقرب به إلى الله( ). أما الشعيرة: فهي كل ما جعل علماً على طاعة فهو شعيرة والجمع شعائر( ). ومن هنا نحاول في هذا المبحث أن نسلط الضوء على بعض السلوكيات التعبدية التي مارسها عليه الصلاة والسلام في حجته حجة الوداع محاولين أن نبرز جانب القيمة الحضارية لتفاعلاته صلى الله عليه وسلموهو يؤدي تلك المناسك والشعائر ولاسيما الاهلال والتلبية، والطواف بالبيت وبين الصفا والمروة والوقوف بعرفات ومزدلفة وطواف الوداع. 

1-    ألإهلال والتلبية:
     حين عقد رسول الله صلى الله عليه وسلمالعزم على الحج، وخرج من المدينة المنورة في سنة عشر من مهجره، لستة أيام بقين من ذي القعدة، وقد خرج معه مئة الف أو يزيد من الناس رجالاً ونساءً( ) قاصداً بيت الله الحرام تلبية لنداء الله وامتثالاً لأمره، حتى إذا وصل ذي الحليفة أهلَّ بالعمرة والحج معاً، وترك الأمر للناس وقد أهلَّ أغلبهم بالحج، ولبى تلبية التوحيد التي أشرك فيها أهل الجاهلية مع الله الالهة أخرى حيث كانوا يقولون ( إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك) ( ) واقتصر رسول الله عليه الصلاة والسلام على تلبية ابيه إبراهيم  بقوله: (( لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لاشريك لك))( ) وبذلك يكون قد حقق المقصود الشرعي من أمر الله، والتزم بما شرعه الله من النسك ولاسيما التوحيد الذي هو أساس العبادة لكل الشعائر، رافضاً لكل اجتهادات وتخرصات العرب الذين غيروا دين إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ، ومشعراً من معه من المسلمين أن الصفة الأساس بالمسلم الالتزام بأوامر الله وشعائره دون مغالاة او خروج عن الحد الشرعي الذي يفضي في كثير من الأحيان إلى المخالفة الشرعية أو الشرك. 

      ولهذا حين وصل إلى مكة رأى أن الأيسر للناس أن يحلوا من إحرامهم بالحج ويجعلوها عمرة، لأن تحقيق مقصود العبادة ليس بالتشدد او التعنت. فعن جابر بن عبد الله ( ) قال: أهللنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلمبالحج خالصاً وحده، فقدم النبي  صبح رابعة مضت من ذي الحجة فأمرنا أن نحل قال: ((حِلوا واصيبوا النساء)) ولم يعزم عليهم، فلما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس، أمرنا أن نفضي إلى نسائنا، فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني. قال: فقام النبي صلى الله عليه وسلمفينا فقال: (( قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم، ولولا هديي لحللتُ كما تحلون، ولو استقبلت من امري ما استدبرتُ لم اسق الهدي. فحلوا)) قال: فحللنا وسمعنا واطعنا( ). إذ أنهم كانوا يرون ان العمرة في اشهر الحج من افجر الفجور في الارض، ويجعلون المحرم صفراً ويقولون: إذا برأ الدبر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر( ).

      ولذلك شق الأمر على الصحابة وعظم عليهم بما عهدوه وورثوه عن آبائهم واجدادهم، فأراد عليه الصلاة والسلام أن يبين لأصحابه وأمته من بعدهم أن الالتزام بدين الله وبشعائره التعبدية قيمة حضارية يجب التعامل معها وفق المعطيات الإنسانية بحسب طاقاتهم وقدراتهم، من غير تعجيز بما ليس لهم به طاقة.  
      واستمر عليه الصلاة والسلام بالتلبية من محل إحرامه ذي الحليفة إلى أن وصل البيت الحرام معلناً بذلك براءته من اي نوع من انواع الشرك التي تلبّس بها العرب، بعد ان غيروا دين ابيهم ابراهيم . إلى أن شرع بالطواف، يسكت حين يتعب، ويرفع صوته في المرتفعات والمنخفضات - حتى انه انكر على رجلٍ رآه يسير على قدميه وهو يهادى بين ولديه من شدة التعب فقال عليه الصلاة والسلام: ((ما بال هذا؟)) قالوا: نذر أن يمشي قال: ((إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني)) وأمره أن يركب( ). فرفض بذلك الالتزام المتشدد الذي يفضي إلى الضرر بالإنسان، ليقر قيمة الالتزام الوسطي الذي تتحقق من خلاله العبادة الحقة والتطبيق المأمور به للشعائر التعبدية ولاسيما شعائر الحج.
2-    الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة:
      شرع رسول الله صلى الله عليه وسلمبالطواف بالبيت الحرام بعد وصوله مبتدأً بركن الحجر الأسود بعد أن أتى إليه ومسحه بيده الكريمة وقبّله، ليس لتعظيمه كحجر، فهو يعلم عليه الصلاة والسلام أنه حجر لا ينفع ولا يضر، حيث كانت رسالته لصد الناس عن تعظيم الأحجار والأشجار من دون الله تعالى، وكما فعل ذلك عمر بن الخطاب  حين قبله – الحجر الأسود - وقال له: ((إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ، وَلَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ))( ) وقد علل بعض أهل العلم قول عمر  ذلك أن الناس كانوا حديث عهد بعبادة الأصنام، فخشى أن يظن الجهال أن استلام الحجر هو كما كانت العرب تفعله في الجاهلية، فأراد أن يعلم أن استلامه لا يقصد به إلا تعظيم الله تعالى والوقوف عند أمر نبيه عليه السلام إذ ذلك من شعائر الحج التي أمر الله بتعظيمها، وأن استلامه مخالف لفعل أهل الجاهلية في عبادتهم الأصنام؛ لأنهم كانوا يعتقدون أنها تقربهم إلى الله زلفى، فنبه عمر  على مجانبة هذا الاعتقاد، وأنه لا ينبغى أن يعبد إلا من يملك الضر والنفع، وهو الله تعالى( ).

     ومن هنا أراد عمر  أن يبين للناس أن قيمة الالتزام الديني بما فعله النبي عليه الصلاة والسلام،  هي الأساس في عبادة المسلم لأنه صلى الله عليه وسلملم يفعل ذلك إلا التزاماً بما كان عليه الأمر في دين ابيه ابراهيم  وتطبيقاً لما امر به المولى ( ). فرسالة الإسلام رسالة استئناف واستصحاب ومواصلة، وليست رسالة ابتداء وانقطاع ولاسيما لقيم الالتزام بالعبادة الحقة التي شرعها الله لعباده( ) حتى انه صلى الله عليه وسلمشرع الرمل (الهرولة) بثلاثة اشواط من الطواف منذ قدومه في عمرة القضاء حيث إنه حين وصل إلى مكة سمع أن المشركين يزعمون أن محمداً واصحابه وهنتهم حمى يثرب وقالوا: ((يقدم عليكم غداً قومٌ قد وهنتهم الحمى ولقوا منها شدة))( ) ثم جلسوا قرب الحجر يرقبوا حركة طواف المسلمين، ليظهروا بهم الشماتة والاستهزاء، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام المسلمين أن يرملوا ثلاثة اشواط من طوافهم ليروهم جلدهم وشدتهم فيحققوا بذلك مقصودين مقصود الالتزام بتطبيق شعيرة الطواف ومقصود رد كيد الكافرين وزعمهم الباطل، فقال عليه الصلاة والسلام لأصحابه: ((إِنَّ قَوْمَكُمْ غَدًا سَيَرَوْنَكُمْ، فَلَيَرَوُنَّكُمْ جُلْدًا))( ).

      ويمكن أن يتغير اسلوب أداء الشعيرة التعبدية بتغير الأحوال والأزمان وحسب الضرورة والظروف التي يعيشها المسلم، من غير إخلال بقيمة الالتزام التي شرعها المولى . إلا اننا نرى اليوم العديد من المسلمين حجاجاً ومعتمرين يحاولون التمسك بنفس الاسلوب القديم الذي ورثه أو تعلمه في تأدية منسك من مناسك الحج ليصبح بعد ذلك عالة على غيره، وعائقاً في انسيابية تأدية المناسك من قبل زوار بيت الله الحرام، وليشكل حالة من العشوائية والفوضى المقيتة والمؤثرة على الاخرين.  فعن جابر بن عبدالله  قال: ((طاف رسول الله صلى الله عليه وسلمفي حجة الوداع على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه الناس وليشرف وليسألوه فإن الناس غشوه))( ). فهو عليه الصلاة والسلام لم يتمكن من الوصل إلى الحجر الأسود وتقبيله أو استلامه بيده، لشدة زحام الناس فاكتفى بالإشارة اليه أو استلامه بمحجن كان بيده، ثم قبل المحجن( ). بينما نرى اليوم الكثيرين من زوار بيت الله الحرام في العمرة أو الحج يتزاحمون على ركن الحجر الأسود لاستلامه وتقبيله، مما يفضي ذلك التزاحم إلى ايذاء بعضهم بعضاً، وانتهاك بعض المحرمات بما فيها تدافع الرجال والنساء وما فيه من مفاسد ومخالفات شرعية تخرج بالمسلم عن المعاني الأساسية والقيم الحضارية للعبادة الحقة، وتطبيق الشعيرة التعبدية وفق الأوامر الإلهية دون المساس بكرامة الإنسان أو الإخلال بإنسانيته، فضلا عن اعطاء صورة ضبابية عن ديننا الاسلامي للناظرين من خارجه، بما يمثله هولاء الذين يحاولون الالتزام بما فعله النبي عليه الصلاة والسلام متجاهلين المقصد الأسمى للعبادة الذي شرعة المولى ، من صون كرامة الإنسان وأنه أعظم عند الله من بيته الحرام ولاسيما الحجر الأسود فلقد ورد أنه صلى الله عليه وسلمقال حين كان يطوف بالكعبة: ((مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ، مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ، مَالِهِ، وَدَمِهِ، وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا))( ).

       وكأنه عليه الصلاة والسلام يشير بذلك إلى ما كانت عليه العرب من التنطع والتشدد، والخروج عن الالتزام الذي اراده الله لعباده، وهم يؤدون شعار الحج، معتقدين انهم يتقربون إلى الله بفعلهم فعن هشام( ) عن ابيه قال: ((كانت العرب تطوف بالبيت عُراة إلا الحمس –والحمس قريش وما ولدت- إلا أن تعطيهم الحمس ثياباً فيعطي الرجال الرجال والنساء النساء))( ).

3-    عرفات ومزدلفة ومنى
      مما لاشك فيه أن الله  فضل ازمنة على أزمنة، وأمكنة على أخرى، فعرفات ومزدلفة ومنى من الأماكن الفاضلة، التي جعل الله المكوث بها في أوقات محددة لممارسة بعض المناسك من الشعائر التعبدية، التي يتقرب بها المسلم اليه. ولذا جعل عليه الصلاة والسلام الوقوف بعرفات من يومها أو ليلتها ركن اساسي بمناسك الحج لا يتم الحج إلا به، وحدد الأيام التي يمكث بها المسلم في منى،  فعن عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَعْمَرَ الدِّيلِيَّ( )، قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، وَأَتَاهُ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الْحَجُّ؟ قَالَ: «الْحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، لَيْلَةَ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَرْدَفَ رَجُلًا خَلْفَهُ، فَجَعَلَ يُنَادِي بِهِنَّ))( ) ومع هذا لم يشدد النبي عليه الصلاة والسلام بوجوب الحضور إلى عرفات في بداية اليوم وإنما اطلق الأمر للاستطاعة، فمن حضر أثناء النهار إلى عرفات فلا أثم عليه، ويمتد ذلك إلى قبل صلاة الفجر من ليلة يوم النحر، فمن حضر فقد ادركها وليس عليه حرج، حيث قال: ((مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَأَتَى عَرَفَاتَ، قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ))( ) ووقف عليه الصلاة والسلام بمكان معين محدد في عرفات وفي مزدلفة، ومع هذا لم يشدد في الأمر ويلزم الناس بالوقوف بمكانه الذي وقف فيه، وكأنه صلى الله عليه وسلمجعل القيمة الحضارية في الالتزام بتطبيق الشعائر التعبدية وأداء المناسك لاتحد بالحيثيات الدقيقة التي فعلها هو، فهذا امر شاق على الناس، اذ لا يتصور أن يتمكن جميع الحجاج الذين يقفون على صعيد عرفة من الوقف بنفس المكان الذي وقف به عليه الصلاة والسلام فضلاً عن موقفه بمزدلفة، ولذلك ورد عن جابر  أن رسول الله صلى الله عليه وسلمقال: ((نحرت هاهنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم. ووقفت ها هنا وعرفة كلها موقف. ووقفت ها هنا وجمع كلها موقف))( ). فأشعر عليه الصلاة والسلام الناس أن المقصد الشرعي من أداء النسك متحقق بأدائه في اي مكان مادام في حدود عرفات او مزدلفة او منى، فقيمة الالتزام بأداء هذا النسك هي بالوقوف داخل الحدود الجغرافية لتلك الأماكن سواء عرفات أم منى أم مزدلفة. ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يخاطب الناس مؤكداً ذلك بقوله: ((قِفُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ، فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ))( ) وكأنه عليه الصلاة والسلام يقول لهم لا تكترثوا بموقفكم البعيد عن موقف الإمام وتعتقدوا أو تتوهموا أن الموقف ما وقفته أنا فقط وأنكم خارج حدود النسك، بل أنتم على ارث ابيكم ابراهيم  في تأديته للنسك( ) فلا تتشددوا وتتنطعوا، وافعلوا ما بوسعكم واستطاعتكم لان الدين يسر ولم ينزله الله  لتعجيز الناس، وتحميلهم من الأمر ما لا يُطيقون، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَيَسِّرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ، وَشَيْءٍ مِنَ الدَّلْجَةِ))( ) .

      وفي مزدلفة حيث يبت الناس، ليقضوا ليلتهم بعد أن امضوا نهاراً شاقاً على صعيد عرفات، لتأدية نسكهم، يستأذن بعض الناس من رسول الله صلى الله عليه وسلمفي النفور منها للوصول إلى منى لرمي جمرة العقبة وأداء طواف الافاضة قبل زحام الناس، وتدافع بعضهم لبعض، فلا يتردد رسول الله صلى الله عليه وسلمفي السماح لهم. فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: ((نَزَلْنَا المُزْدَلِفَةَ فَاسْتَأْذَنَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَوْدَةُ( )، أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، وَكَانَتِ امْرَأَةً بَطِيئَةً، فَأَذِنَ لَهَا، فَدَفَعَتْ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاس، وَأَقَمْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا نَحْنُ، ثُمَّ دَفَعْنَا بِدَفْعِهِ، فَلَأَنْ أَكُونَ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ))( ).

      ومن هنا تتجلى لنا قيمة الالتزام الذي شرعه وارتضاه الله  لعباده، وترجمه الرسول صلى الله عليه وسلمإلى واقع عملي تعاملَ به مع الشعائر التعبدية لمناسك الحج، بنظرةٍ وسطيةٍ، خاليةٍ من كل ألوان التشدد أو التنطع، تحفظ للإنسان كرامته وإنسانيته، اخذةً بنظر الاعتبار التعب والنصب الذي يعانيه المسلم في أداء تلك المناسك وهو يتنقل بين مكة وعرفات ومزدلفة ومنى، ارضاءً لله  . فعن اسامة بن زيد ( ) قال: ((ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلممن عرفات فلما بلغ الشعب الأيسر الذي دون المزدلفة أناخ فبال، ثم جاء فصببتُ عليه الوضوء فتوضأ وضوءاً خفيفاً. ثم قلت الصلاة يا رسول الله فقال: ((الصلاةُ امامك)) فركب رسول الله صلى الله عليه وسلمحتى اتى المزدلفةَ فصلى))( ) .

     فهو عليه الصلاة والسلام يعلم أنه قدوة ينظر الناس إليه ما يفعل ليقتدوا به، ولاسيما أنهم قد أمضوا يوماً كاملا على صعيد عرفات وما تجلى فيه من التعب والعناء وحرارة الشمس، فأراد التخفيف عليهم، وقد اقبل الليل، وهم بحاجة للوصول مبكراً إلى مزدلفة، لأخذ قسطاً من الراحة والمبيت بها، ثم اداء الصلاة. فموطن التخفيف هنا في أداء بعض الشعائر، يبرز لنا القيمة الحضارية في الالتزام الصحيح الذي شرعه الله لعباده. ولذلك روى لنا عمرو بن العاص ( ) قال: وقف عليه الصلاة والسلام على راحلته بين الناس يوم الحج ليعلن لهم الرحمة والتخفيف في هذا الدين، حين طفق اليه ناس يسألونه، وكأنهم حملوا على أكتافهم ثقل خطئهم في ترتيب أداء المناسك، فيقول القائل منهم: يا رسول الله إني لم أكن اشعر أن الرمي قبل النحر. فنحرتُ قبل الرمي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم((فارم ولا حرج)) قال: وطفق آخر يقول: إني لم اشعر أن النحر قبل الحلق فحلقتُ قبل أن انحر فيقول: ((انحر ولا حرج)) قال: فما سمعته يسأل يومئذ عن أمرٍ مما ينسى المرء ويجهل من تقديم بعض الامور قبل بعض واستباحتها إلا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم((افعلوا ذلك ولا حرج))( ). وما في ذلك من ترسيخ لقيم الإسلام الحضارية، وأن الالتزام بأداء الشعائر التعبدية، لم يشرع لتحميل الناس مالا يُطيقون. 

      وأذِنَ عليه الصلاة والسلام لمن استأذنه في عدم المبيت في منى لحاجة، على الرغم من أنه عليه الصلاة والسلام حقق هو بنفسه المبيت فيها، فقد أَذِنَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِب، اسْتَأْذَنَه أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ، لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ( ). كما رخص للرعاة أن يرموا الجمار يوماً ويتركوا يوماً، ثم يقضوا رمي الجمار في اليوم الآخر، وذلك بسبب حاجتهم  إلى ذلك( )
       فالأصل في الشعائر التعبدية في الإسلام ولاسيما مناسك الحج مبنية على الرحمة بالناس، والرأفة بهم،  ومسامحة من أخطأ منهم، ومعالجة خطئه بحكمة ورحمة وفق اصول الشريعة الإسلامية السمحة، من غير شجب أو تنديد بهم.

4-    طواف الوداع 
    على الرغم من حب النبي   لمكة المكرمة، ولاسيما الكعبة المشرفة، وشوقه إليها وتعلقه بها، إلا انه لم يمكث فيها في حجته حجة الوداع، من حين وصوله حتى خروجه منها سوى عشرة ايام( )، فهو حين خرج منها مهاجراً وقف على الحزورة( ) وقال: ((وَاَللهِ إنّك لَخَيْرُ أَرْضِ اللهِ وَأَحَبّ أَرْضِ اللهِ إلَيّ، وَلَوْلَا أَنّي أُخْرِجْت مِنْك مَا خَرَجْت))( ). وهذا يعني أنه عاد مباشرة بعد إنهائه مناسك الحج، حتى انه اعترض متسائلاً؟ على زوجته صفية رضي الله عنها( ) حين علم أنها حاضت قبيل موعد الخروج من مكة بقوله: ((أحابستنا هي)) فأجابته عائشة رضي الله عنها: إنها قد كانت أفاضت بالبيت ثم حاضت بعد الإفاضة، فقال عليه الصلاة والسلام: ((فلتنفر))( ).
      وفي ذلك مراعاة لظروف الناس واحوالهم المتفاوتة في القدرة والاستطاعة والتحمل، وتلبية لتحقيق رغبات العديد منهم ولاسيما وقد أكملوا مناسك الحج، كونه قدوة لهم لا يمكن لأحدهم الخروج من مكة إلا اذا رأى النبي صلى الله عليه وسلميخرج، ولاسيما أنه يعلم أن الحج تعب ونصب في تأدية مناسكه، والناس فيهم كبير السن وفيهم الضعيف، والصبي، والمرأة. فضلاً عن كونه سفر وهو بحد ذاته قطعة من العذاب. ففي حديث أبي هريرة  أن النبي صلى الله عليه وسلمقال: ((السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه فإذا قضى نهمته فليعجل إلى أهله))( ). 

      ومن هنا يتأكد لنا أن النبي عليه الصلاة والسلام رسم لامته المنهج التعبدي الصحيح والقويم في ممارسة الشعائر التعبدية، ولاسيما مناسك الحج بقيمها الحضارية، وتطبيقاتها والتزاماتها، من غير اخلال أو نقصان، أو تكلف أو تنطع، إذ إن الإنسان بطبعه بحاجة إلى الراحة، وخصوصاً بعد أن أتم سياحة ربانية، فيها الكثير من التعب والنصب، فضلاً عن مفارقته الأهل والوطن. جاعلا نصب عينيه فسح المجال لمن لم تتسن له الفرصة في إكمال بعض المناسك، التي أحال زحام الناس بينه وبين أدائها، وأن العبرة ليست بطول المكوث، حتى وإن كان ذلك في بيت الله الحرام، وبجوار بيته العتيق، وإنما بقيمة الالتزام الصحيح، وإكمال المناسك، وتأديتها على أتم وجه.
       ليس كما يفعل اليوم الكثير من حجاج بيت الله الحرام، بتنطعهم وتشددهم في أداء المناسك، ومكوثهم في البيت الحرام، بعد أن انهوا كافة مناسك الحج، وعدم فسحهم المجال لغيرهم، أو اعطائهم الفرصة لإتمام تلك المناسك ومزاحمتهم، في الطواف، مما يفضي ذلك إلى هدر لكرامة الإنسان أو تجاوز بعضهم على بعض،  وإيذاء بعضهم بعضاً.



المبحث الثاني
القيم السلوكية الحضارية في تعامله صلى الله عليه وسلممع الآخر (أبناء المجتمع)

        لاشك أن من أهم ما يميز الانسان بإنسانيته هو سمو تعامله وتفاعله المرموق في مجتمعه ومع أبناء جنسه، ولاسيما أن المسلم أولى من غيره في تحقيق هذا التفاعلي الايجابي تلبية لأمر الله  وتحقياً لتعاليم القرآن الكريم، ومن هنا أراد عليه الصلاة والسلام أن يحول تلك المفاهيم والقيم والاسس إلى سلوك ملموس يتعامل به مع أبناء مجتمعه بما في ذلك أيام الحج التي قد يعانيا فيها المسلم شيئاً من التعب والنصب وتغير الاحوال، إلا أن الواجب عليه أن لا يتصرف إلا وفق الضوابط الاسلامية التي تعتني بالإنسان قبل كل المعاني الاخرى المحيطة به. وقد حاولت في هذا المبحث أن اركز على ثلاثة جوانب حاول عليه الصلاة والسلام أن يراعي فيها القيم الحضارية لأبناء المجتمع ولاسيما النفسية والاجتماعية والسلوكية وهو يؤدي مناسك الحج، لعطي من خلالها دروساً وعبراً لكل الاجيال الاسلامية المتعاقبة على مر العصور والازمان.         
 
1-    مراعاة القيم النفسية
      يجد المتتبع لسيرة النبي عليه الصلاة والسلام، أنه راعى العديد من القيم الحضارية في تعاملاته وسلوكياته، وعلى كافة الأصعدة ومع جميع فئات مجتمعه، مسلمهم، ومشركهم، منافقهم ويهوديهم. وهو بذلك يرسم صورة مثالية للمجتمع المنشود الذي أراده الله سبحانه وتعالى للناس على أرضه. والقيم النفسية لا تقل أهمية عن غيرها من القيم، فلكل مجتمع من المجتمعات نصيب منها، يتوقف ذلك على مدى تحضره، وتعامله مع المعطيات والقيم الحضارية، فالمجتمعات البدوية والقروية تختلف بقيمها ولاسما النفسية عن المجتمعات المدنية أو التي تكون أكثر تحضراً منها، بينما القيم في المجتمعات الدينة تختلف عنها في المجتمعات العلمانية. ومن هنا نشعر بعظمة نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلموهو يتعامل مع أعداد كبيرة من الناس، في رحلته رحلة الحج، وفئات مختلفة من البشر، رجالاً ونساءاً، منهم الأعراب الذين لا يحسنون التعامل في غالبهم إلا بالغلظة والشدة، وكأني بقائلهم يجذب النبي صلى الله عليه وسلماليه بقوة حتى أثرت حاشية الثوب على رقبته، ويقول يا محمد : أَعْطِنِي مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ، فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ( ). وفيهم ابناء المدن الذين يتعاملون بنوع من الرقي والتحضر.
       ويمكننا القول أنه صلى الله عليه وسلمأولى رحلة الحج اهتماماّ خاصىاً، ولاسيما أنه رُكن أساسي من أركان الإسلام، ويجتمع اليه في آنٍ واحدٍ العدد الكبير من الناس، وفيه من الحيثيات، والشعائر التعبدية الشيء الكثير، فضلاً عن تحمل الناس عناء السفر ومشاق الطريق من أجل تأدية تلك المناسك التي أوجبها الله  عليهم. 

       فمنذ خروجه صلى الله عليه وسلممن المدينة المنورة قاصداً بيت الله الحرام، وبكل الأحداث التي حصلت خلال هذه الرحلة المباركة، نجده تعامل مع جميع الحجاج بأسلوبٍ متمدنٍ ومتحضر، مراعياً نفسيات الناس على اختلاف اشكالهم وألوانهم ورغباتهم وتطلعاتهم وأمزجتهم، وهو بذلك يعطي صورة مثالية للمسلم الحق الذي يتعامل وفق المنهج الرباني، وبمعطيات الالتزام الحضارية للسلوكيات الصحيحة. فهل لبعض من يحج اليوم من المسلمين التأسي والاقتداء به عليه الصلاة والسلام وهم يتجاوزن على الآخرين ولاسيما نفسياتهم بشتى أنواع الإيذاءات. وعند وصوله عليه الصلاة والسلام إلى ذي الحليفة (الميقات) ليبدأ هو ومن معه بالإحرام من هناك، نفست امرأة من تلك الجموع الحاشدة، القاصدة بيت الله الحرام. فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: ((نُفِسَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ( ) بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِالشَّجَرَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلمأَبَا بَكْرٍ، يَأْمُرُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ))( ). فالأمر الذي حصل يحتاج إلى معالجة شرعية، من أجل اتمام هذه المرأة التي ولدت في هذا الوقت الذي يحتاج منها إلى طهارة تامة لإتمام حجتها، فضلا عن القوة الجسدية التي هي بأمس الحاجة اليها، من أجل تحمل أعباء السفر ومشاق الطريق، وتأدية النسك، على الوجه الصحيح، ولاسيما ما تحمله -كغيرها من الحجاج - من شوق لأداء منسك الحج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إلا أن هذا الذي أصابها من النفاس، رغم أنه خارج عن طاقتها وقدرتها، لا شك أنه أثر على نفسيتها، بما قد يكون حائلاً بينها وبين أداء ما تصبو اليه من أداء مناسك الحج، في احتمال ارجاعها إلى المدينة المنورة، كون المكان الذي حاضت به قريب جداً من المدينة المنورة. ومع ذلك عالج الخطاب النبوي الكريم نفسيتها التي لا شك أنها كانت مضطربة بسبب ما أصابها على حين غرة من أمرها. واعتقادها أن الأمر قد حال بينها وبين رغبتها في تأدية نسكها.
      وبذلك يكون عليه الصلاة والسلام قد عالج هذا الحدث، معالجة نفسية وفق قيمة حضارية، راعا فيها الحالة التي يمكن أن تكون عليها هذه المرأة، فلم يحرمها من تلبية رغبتها، ورفع من معنوياتها بقولة لزوجها أبي بكر الصديق  : مرها فلتغتسل وتهل، كما اهل الناس.

      ومن معالجاته النفسية عليه الصلاة والسلام، فضلاً عن الشرعية، أن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كُنْتُ فِيمَنْ، أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ، حِضْتُ فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟، قُلْتُ: وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ خَرَجْتُ الْعَامَ، قَالَ: ارْفِضِي عُمْرَتَكِ وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي. قَالَ مُوسَى: وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَقَالَ سُلَيْمَانُ: وَاصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْمُسْلِمُونَ فِي حَجِّهِمْ))( )  فهي قد حاضت قبل دخول مكة، فأمرها صلى الله عليه وسلمأن تنسك المناسك كلها غير أنها لا تطوف بالبيت، فشكت اليه ذلك، فأمرها ان تغتسل وتحرم بالحج وتخرج إلى عرفات، وبعد أن طهرت طافت بالبيت، واتمت حجها، فلما اراد صلى الله عليه وسلم الخروج والعودة إلى المدينة قالت: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنْطَلِقُونَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ وَأَنْطَلِقُ بِالحَجِّ؟ فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إلى التَّنْعِيمِ( )، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الحَجِّ))( ). ومما لاشك فيه أن عائشة رضي الله عنها اضطربت نفسيتها بسبب عدم استيعابها أن يرجع النبي صلى الله عليه وسلمومن معه ولاسيما نسائه بعمرة وحجة، وترجع هي بحجة فقط، فرفضت الخروج حتى تعتمر، فاستجاب النبي عليه الصلاة والسلام لطلبها، إرضاءً وتهدئة وتطييباً لنفسيتها( )، فأرسل معها أخاها عبدالرحمن ليعمرها من التنعيم، ولم يكتف بذلك بل بقي ينتظرهما في أعلى مكة حتى أتمت عمرتها وعادت إليه( ).
 
2-    مراعاة القيم الاجتماعية
       للقيم الاجتماعية دوراً فاعلاً في تحديد ماهية أي مجتمع من المجتمعات، كونها تحمل في ثناياها خصائص وصفات مرغوب بها في ذلك المجتمع، تتدخل في تكوينها مجموعة من العوامل، يمكن أن تكون دينية أو عادات وتقاليد موروثة عن الآباء والأجداد أو فلسفات لبعض حكماء مجتمع ما. والقيم الاجتماعية في الإسلام تستمد ماهيتها من ديننا الحنيف وفق ضوابط الوحي، والتطبيق العملي لرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلمفي واقع الحياة الاجتماعية ولاسيما رحلة الحج التي اعطت للآخرين دروساً عملية في كل المجالات وعلى كافة الأصعدة بما في ذلك تعزيز القيم الحضارية وبالأخص الاجتماعية والتي تعنى بالممارسات العملية بين ابناء المجتمع. 

     وقد تمثلت القيم الاجتماعية التي كرسها الرسول صلى الله عليه وسلمفي حجته (حجة الوداع) بمجموعة من الأحداث التي وافقته في تلك الرحلة المباركة، والتي أعطت صورة مميزة عن الالتزامات الاجتماعية التي حملها الرسول ، وأدَّاءها كحلول نموذجية لمشكلات أو معوقات اجتماعية أفضت إلى تساؤلات متنوعة للوصول إلى حلول شرعية. ففي طريقه إلى مكة وافقته امرأة معها طفل تسأل عن صحة حج طفل تحمله معها في ذلك الطريق الشاق، ولم يكن ليخرجها من بيتها وهي على حالتها هذه إلا رغبتها الشديدة بتلبية نداء ربها. فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرَّوْحَاءِ( ) فَلَقِيَ رَكْبًا فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، قَالَ: ((مَنِ الْقَوْمُ؟))، فَقَالُوا: الْمُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: فَمَنْ أَنْتُمْ؟، قَالُوا: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَزِعَتِ امْرَأَةٌ فَأَخَذَتْ بِعَضُدِ صَبِيٍّ فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ مِحَفَّتِهَا، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ))( ).

       فالذي يبدو أن هذه المرأة وقد كانت تحمل طفلها معها وهي في طريقها إلى الحج، مع تحمل ما في السفر من مشاق وصعوبات. إلا أن حالتها الاجتماعية لم تمكنها من ابقاء طفلها في بيتها، فاصطحبته معها في هذه الرحلة، وهي قد وافقت النبي عليه الصلاة والسلام في طريقها إلى الحج، فانتهزت فرصة لقائه لتسأله عن طفلها هذا هل له حج، إذ يبدو أن الأمر قد اقلقها، فأجابها النبي صلى الله عليه وسلممراعياً القيم الاجتماعية التي تعيشها تلك المرأة، والتي لم تسمح لها بترك ولدها، مع مراعاته صلى الله عليه وسلملعدم الخروج عن قيمة الالتزام المأمور بها المسلم، اجابة طمأنتها، بإن الأمر أوسع من ذلك، بقوله: ((نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ)).         
 
        أما أم المؤمنين سودة رضي الله عنها فقد كانت أمرة سمينة وثقيلة، ولها مكانة اجتماعية إنها زوجة النبي عليه الصلاة والسلام، وحين وصل النبي صلى الله عليه وسلمإلى المزدلفة أحست أنها بحالتها تلك لو بقيت إلى الصباح حتى ينفر النبي صلى الله عليه وسلمبمن معه من الناس من مزدلفة إلى منى فسيكون الأمر شاقاً عليها ولاسيما أن الناس كلهم سيتوجهون مرة واحدة لرمي جمرة العقبة، فطلبت من النبي عليه الصلاة والسلام المغادرة قبلهم. فعنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: ((نَزَلْنَا المُزْدَلِفَةَ فَاسْتَأْذَنَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلمسَوْدَةُ، أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، وَكَانَتِ امْرَأَةً بَطِيئَةً، فَأَذِنَ لَهَا، فَدَفَعَتْ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ ...))( ). فالرسول صلى الله عليه وسلمراعى هنا الحالة الاجتماعية التي كانت عليها السيدة سودة رضي الله عنها، من كبر سنها، وبدانة بدنها، وثقل جسمها، وأنها يشق عليها المكوث معهم حتى الصباح، حيث ينفر كل الحجاج من مزدلفة مرة واحدة ما من شأنه أن يتسبب في أذيتها، في رمي جمرة العقبة أو طواف الإفاضة، فأذن لها الرسول صلى الله عليه وسلمبالخروج من مزدلفة لممارسة بقية النسك، لتجنب زحام الناس. ولذلك وجدنا عائشة رضي الله عنها تغبطها على استأذانها ذلك وتتمنى لو أنها فعلت مثلها، حيث قالت: ((لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ فَأُصَلِّيَ الصُّبْحَ بِمِنًى، وَأَرْمِي الْجَمْرَةَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ النَّاسُ))( ) لتتجنب زحام الناس ومدافعتهم، والأذى الحاصل عنهم.

      وحين عودته من الحج وجد عليه الصلاة والسلام امرأة من الانصار متألمة لما فاتها من الفلاح بمرافقته في رحلته المباركة، فقال لها متسائلاً: ((مَا مَنَعَكِ مِنَ الحَجِّ؟)) قَالَتْ: أَبُو فُلاَنٍ، تَعْنِي زَوْجَهَا- أبا سنان- كَانَ لَهُ نَاضِحَانِ حَجَّ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَالآخَرُ يَسْقِي أَرْضًا لَنَا، قَالَ: ((فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً أَوْ حَجَّةً مَعِي)) وهنا احس النبي عليه الصلاة والسلام أن السبب الذي منعها من أداء الحج معه، هو الحالة الاجتماعية التي تعيشها مع زوجها، فالفقر الذي هم عليه حال بينها وبين ما تشتهي من أداء النسك، فأحس صلى الله عليه وسلمبالرغبة التي غمرتها بتحقيق الحج، وأسفها على ما فاتها. فأحب أن يرفع من معنوياتها، ويقوي من عزيمتها، ويفتح لها افاق جديدة في تحقيق ما تتمناه من العبادة ولاسيما أداء النسك، فأخبرها أن عمرة في رمضان تعدل حجة معه . وبذلك يكون قد نقلها وحول انظارها من واقعها المؤلم الذي عاشته في حالتها الاجتماعية تلك، إلى أمل جديد وإحساس مفعم بالسرور، لتحقيق هدفها الذي طالما حلمت به، وتمنت أن تحققه.  

3-     مراعاة القيم السلوكية
       تشكل القيم السلوكية جانباً اساسياً من حياة الفرد في المجتمع، فسلوكياته وتصرفاته التي يتعامل بها مع أبناء مجتمعه، تعكس القيم التي يحملها الشخص، ومن هنا جاء الإسلام بقيم حضارية متكاملة لكل جوانب الحياة، للرقي بالإنسان إلى أسمى درجات التحضر والتمدن، وكان للنبي عليه الصلاة والسلام، الدور الأساس في إرساء هذه القيم بين أبناء المجتمع، ولاسيما في رحلته رحلة حجة الوداع، فحين النظر في السلوكيات التي تعامل بها رسولنا الكريم مع تلك الفئات المختلفة من الناس، برغباتها وميولها وأمزجتها طيلة مدة رحلته والتي دامت ما يقرب من بضع وعشرين يوما، وهو معهم يسير في سفر شاق، من المدينة المنورة حتى مكة المكرمة، نجده عليه الصلاة والسلام كرس كل معطيات القيم السلوكية المتميزة، والتي يمكن للمسلم أن يقتدي بها للتعامل مع الآخرين ولاسيما في مثل هذه الرحلة المباركة.

       فهذا الشريد الهمداني( ) يروي لنا بقوله: بَيْنَمَا انا أمْشِي بَيْنَ مِنًى وَالشِّعْبِ فِي حَجَّةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلمالَّتِي حَجَّ،  فَإِذَا وَقْعُ نَاقَةٍ خَلْفِي، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ اللهِ  ، فَعَرَفَنِي، فَقَالَ: «الشَّرِيدُ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «أَلَا أَحْمِلُكَ خَلْفِي يَا شَرِيدُ؟» ، قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ومَا بِي إِعْيَاءٌ وَلَا لُغُوبٌ، وَلَكِنْ أَلْتَمِسُ الْبَرَكَةَ فِي مَرْكَبِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ، فَقَالَ: (( يا شَرِيدُ هَلْ مَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ شَيْءٌ؟))  قُلْتُ: أَنَا أَرْوَى النَّاسِ، قَالَ: «هَاتِ» فَأَنْشَدْتُهُ، فَإِذَا سَكَتَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلمسَكَتُّ، وَإِذَا قَالَ: ((إِيهِ)) أَنْشَدْتُهُ، حَتَّى إِذَا طَالَ ذَلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ  عِنْدَ ذَلِكَ: ((عِنْدَ اللهِ عِلْمُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ))( ).

      فالقيمة السلوكية التي ترجمها رسول الله صلى الله عليه وسلمفي واقع الحياة العملية بحمله شخص لا مركب له، في أرض منقطعة، وقد انشغل الناس كلٌ بحاجته، تنبئ عن مدى القيم التي يحملها بداخله، ليعطي الناس بذلك درساً عملياً في تعزيز مثل هذه القيم، ولاسيما أنه صلى الله عليه وسلمقدوة تتوجه إليه أنظار الناس. فالتعاون، وإغاثة الملهوف، ومساعدة المحتاج، وقضاء حوائج الناس، والسعي في خدمتهم من القيم السلوكية التي ينبغي ان يتعامل بها المسلمون في واقع حياتهم العملية، للوصول إلى السعادة المنشودة في حياتهم، ونشر الخير. وما أحوج مسلمنا اليوم إلى تفعيل القيم التي جاء بها ديننا الحنيف. فواقع الأمر أنه إذا كان ثمة شيءٌ أصبح المسلم المعاصر في اشد الحاجة اليه، فما ذلك الشي سوى الوعي الاخلاقي الذي يوقظ إحساسه بالقيم. فالمسلم أولى من غيره في حمل أمانة القيم ولاسيما السلوكية مصداقا لقوله تعال: ((إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا )) ( ). ومسلمنا اليوم ولاسيما زوار بيت الله الكريم بأمس الحاجة إلى ممارسة مثل هذه السلوكيات التي يحتاجونها ونحن نرى التزاحم والتدافع بين المئات منهم لأسباب تكاد تكون ليست ذات قيمة، حتى آذى بعضهم بعضاً، متناسين روح الايثار والتعاون والاخاء التي جاءهم بها دينهم.     

      وكان عليه الصلاة والسلام حريصاً كل الحرص على أن يسير الناس بسكينة ووقار لتأدية مناسكهم دون أن يؤذي أحدهم الأخر ولاسيما فيهم الشيخ الكبير وذا الحاجة والمرأة والطفل، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: ((أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَرَفَةَ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَرَدِيفُهُ أُسَامَةُ، وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ» قَالَ: فَمَا رَأَيْتُهَا رَافِعَةً يَدَيْهَا عَادِيَةً حَتَّى أَتَى جَمْعًا، زَادَ وَهْبٌ ثُمَّ أَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ( )، وَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ)) قَالَ: فَمَا رَأَيْتُهَا رَافِعَةً يَدَيْهَا حَتَّى أَتَى مِنًى))( ).

       وكأنه عليه الصلاة والسلام أراد أن يستنهض الهمم الإيمانية التي اكتسبها المسلم من دينه وعن ربه، وتحويلها إلى قيم سلوكيات عملية واقعية يتعايش بها مع أبناء مجتمعة، ولاسيما في أداء مناسك الحج التي تحتاج إلى فضاءات واسعة من القيم الأخلاقية لاجتماع صعوبات ومشاق متعددة، من عناء سفر ومشاق طريق، وقلة زاد، فضلاً عن الحرص الشديد لكل الحجاج في تأدية مناسكهم كما أداها نبيهم   ما من شأنه أن يحدث إرباكاً لدى الناس في تلك الاماكن المقدسة، فجاء توجيهاته عليه الصلاة والسلام لمن كان معه من الناس في حجته، ولاسيما يراهم يتدافعون ويتزاحمون، ويؤذي بعضهم بعضاً، فلقد ورد عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ: ((ثُمَّ أَرْدَفَ أُسَامَةَ فَجَعَلَ يُعْنِقُ عَلَى نَاقَتِهِ وَالنَّاسُ يَضْرِبُونَ الْإِبِلَ يَمِينًا، وَشِمَالًا، لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ وَيَقُولُ: السَّكِينَةَ أَيُّهَا النَّاسُ))( ) ومعنى يعنق: اي يسير سيراً وسطاً دون أن يؤذي أحداً، ويرى الناس من حوله يسرعون ويتدافعون، فيوجههم ويقول لهم السكينة أيها الناس( ) وهو خطاب لهم ولمن بعدهم من زوار بيت الله الحرام من الحجاج والمعتمرين، الذين نراهم اليوم وقد آذى بعضهم بعضاً للوصل إلى الحجر الاسود حتى حصل في احيان كثيرة ما لا يحمد عقباه، أو لرمي الجمار قبل التوسعات التي حصلت في تلك الأماكن مما افضى ذلك إلى موت العديد من الحجاج، فها هو عليه الصلاة والسلام يستشرف المستقبل ليحذر الناس من قتل بعضهم البعض بسبب عدم مراعاتهم لقيم الالتزام الحضارية والوقوف عند المقصد الشرعي الأعلى سمواً من مقصد أدنى منه.  فعن سُلَيْمَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ عَنْ أُمِّهِ( )، قَالَتْ: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَهُوَ رَاكِبٌ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ وَرَجُلٌ مِنْ خَلْفِهِ يَسْتُرُهُ، فَسَأَلْتُ عَنِ الرَّجُلِ، فَقَالُوا: الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ، وَازْدَحَمَ النَّاسُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَإِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ فَارْمُوا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ)) ( ) فجاء خطابه صلى الله عليه وسلمللناس بعدم قتل بعضهم بعضاً إما بسبب دفع بعضهم بعضاً، من غير مبالاة ومراعاة للقيم التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم، ولاسيما عند أداء النسك، أو بعدم التنطع في اختيار حصى الجمرات كبيرة تؤذي الآخرين في حالة عدم وقوعها في حوض الجمرة، ولذلك قال: بمثل جمرة الخذف – يعني صغار الحصى - ( ) التي لا تؤذي الآخرين فيما إذا سقطت على رأسهم ثم إنه عليه الصلاة والسلام أشار اليهم بالسكينة وأن البر ليس بالإيجاف : أي الإسراع وانما بالتأني والهدوء وعدم التجاوز على الآخرين، وفوات ما هو أهم وهو إيذاء بعضهم بعضاً إلى شيءٍ مهم يمكن أن يؤدى في التمهل والتأني من غير ضرر بالنفس أو بالآخرين.

     ومن مراعاته عليه الصلاة والسلام لقيمة الالتزام بالسلوك القويم، أن يعطي الدروس العملية للحجاج من خلال واقعهم الذي يعيشون فيه، من غير تعنيف أو تشديد أو تأنيب، حتى مع مخالفهم، ما من شأنه أن يفضي إلى إعراض أو نفور. فلقد ورد أنه صلى الله عليه وسلمأَرْدَفَ الْفَضْلَ بن العباس  ((حين خرج من مزدلفة، وَسَارَ حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَتَى الْمَنْحَرَ، فَقَالَ: " هَذَا الْمَنْحَرُ، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ " قَالَ: وَاسْتَفْتَتْهُ جَارِيَةٌ شَابَّةٌ مِنْ خَثْعَمَ فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ قَدْ أَفْنَدَ وَقَدْ أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللهِ فِي الْحَجِّ، فَهَلْ يُجْزِئُ عَنْهُ أَنْ أُؤَدِّيَ عَنْهُ؟ قَالَ: " نَعَمْ، فَأَدِّي عَنْ أَبِيكِ " قَالَ: وَقَدْ لَوَى عُنُقَ الْفَضْلِ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ لَوَيْتَ عُنُقَ ابْنِ عَمِّكَ؟ قَالَ: " رَأَيْتُ شَابًّا وَشَابَّةً فَلَمْ آمَنِ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِمَا))( ). وفي رواية اخرى قال: ((فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمٍ تَسْتَفْتِيهِ فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ))( ) وحقيقة الأمر أنها امرأة شابة وسيمة، أعجبته فجعل ينظر اليها. وهو كذلك شاب وسيم فأخذت تنظر اليه ايضاً وكل واحد منهما اعجب بصاحبه( ). فحول النبي   وجه الفضل إلى الشق الآخر من أجل أن يصرف بصره عن هذه المرأة. وهنا يتبين لنا حكمته عليه الصلاة والسلام في معالجة الأخطاء والمخالفات الشرعية، وأسلوبه القويم في ترشيد المخالف نحو الأصح والأفضل، حتى وهو في بيت الله الحرام وفي تأدية نسك الحج، من غير تعنيف أو تشهير، وكأنه عليه الصلاة والسلام متفهم للطبيعة البشرية ولاسيما الشباب، مع احتمالية دخول الشيطان بينهما، لمحاولة جرهما إلى المحظور.

     واليوم ونحن نعيش في القرن الحادي والعشرين، بعد اربعة عشر قرناً، نجد المخالفات الكثيرة، سواء في تأدية النسك كشعيرة تعبدية أم على مستوى السلوكيات التي تصدر عن بعض الحجاج، من الاسراع في وسط مجاميع الحجاج ومحاولة اختراقهم أو ايذائهم وفيهم المرأة والضعيف والشيخ الكبير الذي يحتاج إلى تأن في سيره وحركته، أو بعض المخالفات التي من شأنها أن تخل بتأدية النسك على الصفة التي شرعها الله وأداها نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام، حتى اننا نرى العشرات من الحجاج يمارسون العديد من الأنساك قبل وقتها المشروع كرمي الجمار ولاسيما في ايام التشريق ولك قبل الزوال. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه! هو كيف تكون المعالجة السلوكية العملية لمثل هذه الاخطاء؟ وهل يمكننا اتباع الاسلوب القويم الذي اتبعه النبي عليه الصلاة والسلام في تلك المعالجات. والإجابة على ذلك: هي أن نعود إلى تلك القيم الحضارية، المحفوفة بالالتزام الديني والتي كرسها رسولنا الكريم، ومحاولة تفعيلها في سلوكيات ومناسك الحج، وخاصة في الاماكن التي تتطلب تواجد العديد من الناس في آن واحد، كمنى مثلا، حيث نرى الأعداد الكبيرة من الناس يجلسون في طرقاتها ويمارسون نشاطاتهم بكل حرية ورخاء، دون مبالاة بالآخرين، ومضايقتهم في سيرهم لأداء نسكهم، وكأن الأمر لا يعنيهم، حتى وجدنا وشاهدنا من يمارس عملية الطبخ في وسط الطريق، ومن يغتسل في بعض الأحيان. متجاهلا لكل القيم السلوكية الحضارية التي أرساها ديننا الحنيف، وكرسها وفعلها رسولنا الكريم ، وهو بفعله هذا يعطي صورة مشوهة وسيئة عن ديننا، وعن سلوكياتنا، وعن حضارتنا، وقيمنا، وخاصة للمسلمين من غير العرب الذين يقدمون لأداء مناسك الحج من دولهم الغربية، ولاسيما أنهم لم يعهدوا في حياتهم مثل هذه المناظر، السيئة والمقززة.              
            
       


المبحث الثالث:
 القيم السلوكية الحضارية في تعامله صلى الله عليه وسلممع البيئة التي يعيش عليها الإنسان ولاسيما المسلم

       تفاعل الانسان أيجاباً مع بيئته التي يعيش عليها، دليل على رقيه وسمو أخلاقه ومبادئه التي يحملها، والمسلم أولى من غيره في تطبيق مثل هذه السلوكيات، ورسول الله عليه الصلاة والسلام لايزال معلماً لكل الاجيال المتقادمة من المسلمين ولاسيما في مناسك الحج وشعائره التعبدية وسلوكياته الحضارية مع البيئة التي تمثل القاعدة الاساس لعيش الانسان، وترعرعه ونموه. 

1-    المحافظة على البيئة
       اهتمَّ المنهج الإسلامي بتعمير البيئة، وجعلها مهمَّة الإنسان في هذه الأرض، بنفس القدر الذي اهتمَّ فيه بحماية الموارد البيئية؛ وبهذا فالإسلام منهج تعميري، قبل أن يكون منهجًا معالجًا ومصلحًا لما تمَّ إفساده. وتمكن في منهجه من الجمع بين الروح الدينية -التي تجعل ثواب الآخرة هي الدافع للمؤمنين- وبين الروح الدنيوية؛ التي تجعل من الانتفاع والتربُّح والتملُّك المحرِّك لمن يبغي ثواب الدنيا. ويجب أن نشير إلى أن المفترض أن يكون هناك توافق وانسجام كبيرين بين البيئة وحمايتها وصحتها إن صح التعبير، وبين الإنسان المتدين ولاسيما المسلم. ففي كل سنة يذهب إلى الحج ما يقرب من ثلاثة ملايين شخص، يقطنون في مكة ما يقارب بضعا وعشرين يوماً، يمارسون نشاطاتهم التعبدية ونسكهم، إلا انهم يشكلون عبئاً كبيراً على البيئة، على الرغم من وجود محددات قولية وعملية في ديننا الحنيف، تحد من هذه العشوائية التي يسلكونها ويتصرفون بها.

        فقيم المحافظة على البيئة ينبغي أن تختص بتوجيه سلوك الفرد المسلم نحو حمل هذه القيم والمحافظة على مفاهيم البيئة والتي تشمل: الصحة البدنية، ونظافة البيوت، ونظافة الطرقات، والهدوء، وعدم الفوضى، والثروة النباتية، والثروة الحيوانية، والثروة المائية. وقد حرصت العقيدة الإسلامية على أن يحيى الإنسان في بيئة صحية مرموقة، ووضعت عدداً من القيم الحضارية والمبادئ التي تكفل سلامة البيئة وحمايتها من العبث، من خلال نصوص وآداب موجهة لتكوين ثقافة بيئية( ).   

      والتصور الإسلامي الصحيح يرسم للمسلم الطريق القويم في كيفية تعاملاته مع الآخر بما فيهم البيئة التي يعيش عليها ويأكل من خيراتها، وما نحن بحاجته اليوم تفعيل تلك القيم التي أنزلها الله في قرآنه وتعايش معها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلمولاسيما في رحلته رحلة الحج. وتكوين ثقافة بيئية لدى المسلم ليتعامل بها في حياته اليومية سواء في أماكن سكناه ويقطن فيها، أم الأماكن التي يتنقل اليها ولاسيما أشرف بقاع الأرض مكة المكرمة وهو في أداء شعيرة تعبدية ونسك من مناسك دينه الحنيف.

      فليس من المعقول أو المقبول عقلاً ومنطقاً أن نشاهد في مكة أو منى أو عرفات أو مزدلفة أكواماً مكدسة من القمامات والقاذورات في الطرقات، وقرب مساكن الناس ومعايشهم، وما قد ينجم عنها من الثلوث، والإضرار بصحة الإنسان وبيئته، فضلا عن الروائح الكريهة التي تصدر عنها، ولاسيما منظرها المقزز. ومن هنا لابد من العودة إلى القيم الحضارية التي رسخها رسول الله صلى الله عليه وسلمفي توجيهاته حول التعامل مع البيئة بكل حيثياتها، ومحاولة توظيف ما فيها لصالح الإنسان ولاسيما المسلم لتكون له مكاناً مريحا وموضعاً أمناً، بدل أن تصبح عبئاً عليه وسبباً في هلاكه.
       ومن توجيهاته عليه الصلاة والسلام في المحافظة على البيئة، وهو في رحلة حجه المباركة أن وجه الناس بعدم قطع اشجار مكة المكرمة، والمحافظة عليها فلقد ورد عنه صلى الله عليه وسلمأنه قَالَ: ((حَرَّمَ اللَّهُ مَكَّةَ فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلاَ لِأَحَدٍ بَعْدِي، أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلاَ تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّف. فَقَالَ العَبَّاسُ : إِلَّا الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا؟ فَقَالَ: إِلَّا الإِذْخِرَ))( ). ومعنى لا يختلى خلاها: اي لا يجوز لأحد أن يقطع الحشيش الذي ينبت بارضها( ). فيمكن أن يستفاد من الامر أنه عليه الصلاة والسلام عنى بذلك أن تبقى أرض مكة مخضرة، تعطي بهجة وسروراً للناظرين. سواء كان ذلك بالحشائش والاعشاب التي تنبت، أم بالأشجار المزروعة فيها. فهي بيئة محمية وواجب الإنسان حماية بيئته ولاسيما المسلم، لان المجتمع الراقي هو الذي يحافظ على بيئته ويحميها من كل أذى، كونه جزءٌ منها.

        ومثلما يتأثر الإنسان ببيئته، فإن البيئة تتأثر أيضاً بالإنسان، ولذلك وجدنا التوجيهات النبوية تحمل في طياتها الدعوة المؤكدة للحفاظ عليها، بكل حيثياتها وأجزائها. بل ينبغي على المسلم أن يكون إيجابياً فيها بزراعة الأراضي التي تحتاج إلى زراعة، ورعايتها، ومتابعتها، ومنع من يتجاوز عليها. وهذا هو المستفاد من قوله عليه الصلاة والسلام ((إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَل))( ). فهو ذروة المبالغة في الحث على غرس الأشجار وحفر الأنهار لتبقى هذه الدار عامرة إلى آخر أمدها المحدود المعدود المعلوم عند خالقها فكما غرس لك غيرك فانتفعت به فاغرس لمن يجيء بعدك لينتفع وإن لم يبق من الدنيا إلا صبابة( ).
  فيجب على المسلم أن يستشعر قيمة الالتزام في سلوكياته بمنهج الله الذي شرعه له في التعامل مع مسخراته من خلال منظومة مفاهيمية تمثل ضابطاً لسلوكه للإفادة والتمتع من بيئته التي يعيش عليها ويتعامل مع مفرداتها، ويمكن أن يكون ذلك في إطار الايمان بأن هذه المسخرات مخلوقات تسبح بحمد الله وتعبده، وتشكلُ أمماً كاملة مثل الأمم البشرية، فعلى المسلم أن يراعي حقوقها، كأمر أخلاقي من ناحية، وكأمر تشريعي من ناحية أخرى( ).   

       ومثلما نهى عليه الصلاة والسلام عن قطع الأشجار أو الأعشاب في مكة للمحافظة على بيئتها، فكذلك جاء نهيه صلى الله عليه وسلمليس فقط عن صيد الحيوانات فيها بكل أنواعها، وإنما تعدى النهي إلى عدم الإخافة والتنفير لتلك الحيوانات، ومما لاشك فيه أن هذا أعلى أنواع المحافظة على البيئة، كون تلك الحيوانات تشكل جزءاً اساسيا في الحياة ومادة من مواد البيئة الممتعة. فضلاً عن ترسيخ روح ثقافة التعايش السلمي مع الحيوانات، ولا سيما غير المؤذية للإنسان، ومحاولة تسخير طاقاتها وقدراتها لخدمته وصالحه، وما يجلب عليه بالنفع، والخير. فالاستخلاف في المنهج الرباني للإنسان أو ما يطلق عليه تحريك الحياة نحو فاعلية سامية بكل مفاصلها، فلن تكتمل تلك الفاعلية، إلا إذا استشعر الإنسان ولاسيما المسلم – وهو في اطهر بقاع الأرض وقرب بيت الله العتيق- بالمسؤولية تجاه الكون والإنسان والحيوان والحياة( ).  

2-    النظافة   
       
     تعد قيمة النظافة من القيم الأساسية في ديننا الحنيف، وينظر إليها على أنها جزءٌ لا يتجزأ من الإيمان، فليست هي مجرد سلوك مرغوب فيه أو متعارف عليه اجتماعياً، يحظى صاحبه بالقبول الاجتماعي فقط، بل جعلها الإسلام قضية إيمانية ترتبط بالعقيدة. فالمسلم مأمورٌ بنظافة أعضاء جسمه وبدنه بالاغتسال والاستحمام في حالات واوقات معينة، ومأمور بالوضوء والتنظف عند أدائه العديد من العبادات، ولاسيما بعض نسك الحج. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلمأن المسلم الحريص على نقاوة بدنه، ووضاءة وجهه، ونظافة أعضائه، يبعثُ على حاله يوم القيامة فقال : ((إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ))( ) ولا بد أن يحرص كل الحرص على نظافة المكان الذي يعيش فيه، سواء أكان بيته الذي يعيش فيه، أم مدينته التي يقطن بها، لأن النظافة أساس كل تقدم ورقي، وعنوان للحضارة، ومظهر من مظاهر الإيمان.

      ولأهمية النظافة في حياة الإنسان المسلم عدها النبي ، قيمة من قيم التحضر، وسلوكاً رفيعاً في المجتمعات الواعية فقال: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الْأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ، وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِي أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ، لَا تُدْفَنُ))( ) والجدير بالذكر أنه عليه الصلاة والسلام لم يشر هنا إلى الجزاء الأخروي وإنما عدَّ إماطة الأذى في محاسن الأعمال والسلوكيات التي يجب على المسلم أن يلتزم بها، كما أن النخاعة – البصاق -  وعدم إزالتها أو وضعها في مكانها المناسب، من مساوي الأعمال والسلوكيات، التي ينبغي على المسلم الابتعاد عنه.

       ولذلك وجدناه عليه الصلاة والسلام يبدأ إحرامه بالتطهر والتنظف والتطيب فبعد أن باَتَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، وهو في طريقه إلى مكة وَطَافَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَلَى نِسَائِهِ، اغْتَسَلَ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ بِهَا، ثُمَّ طَيَّبَتْهُ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِيَدِهَا بِذَرِيرَةٍ وَطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ( ). فهو صلى الله عليه وسلمأشعر الناس أن نسك الحج يحتاج إلى تطهر وتنظف وتطيب، ليس فقط لما يترتب عليه من تأدية النسك ولكن نظافة البدن واعضاء الجسم، وعدم إيذاء الآخرين بالروائح التي يمكن أن تصدر عن جسم الإنسان من خلال تعرق جسمه ولاسيما وهو في سفر شاق، وما فيه من التعب والنصب والأتربة، فاحب عليه الصلاة والسلام أن يتنظف ويتطهر ويتطيب، ليراه الآخرون فيقتدوا به. فكما أن الاغتسال بالماء سبيل إلى النظافة، وإزالة الأوساخ، فكذلك التطيب، طريق إلى صدور الراحة الزكية وإزالة الرائحة الكريهة، وبخاصة في الإحرام الذي يمنع فيه المسلم من التطيب، ولذلك وجدناه عليه الصلاة والسلام يكثر من الطيب عند إحرامه ليبقى أثره ورائحته مدة أطول بعد إحرامه تجنباً لاحتمال صدور الرائحة غير المرغوب فيها مع أن عرق جسمه صلى الله عليه وسلملا يصدر عنه إلا الرائحة الزكية. فعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:((كَأَنِّي أَنْظُرُ إلى وَبِيصِ الْمِسْكِ، فِي مَفْرِقِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلموَهُوَ مُحْرِمٌ))( ).

        ولم يكتف عليه الصلاة والسلام بذلك بل لبَّد رأسه( ) والتلبيد: أن يجعل مادةً صمغية على شعره عند احرامه ليمنع وصل التراب إلى اصول شعره ((بِالْخَطْمِيِّ وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يَمْنَعُ وُصُولَ التُّرَابِ إلى أُصُولِ الشَّعْرِ وِقَايَةً لِنَفْسِهِ))( ) وهذا الأمر غاية في تجسيد النظافة، حيث يحتاط في الأمر فَلَا يتخلله الْغُبَار وَلَا يُصِيبهُ الشعث وَلَا يحصل فِيهِ قمل( ). وهنا جسد عليه الصلاة والسلام النظافة في الواقع العملي والسلوك الملموس، ليقتدى به من قبل الناس، معتبراً ذلك من قيم الالتزام الحضارية بالنسبة للمسلم، تجاه نفسه وأبناء مجتمعه، على حد سواء. وربط النبي عليه الصلاة والسلام النظافة والتطهر بالإيمان الذي يحمله المسلم في قلبه فقال: ((الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ ...))( ) وعلى رأي من ذهب من أهل اللغة بفتح أوله، عنى بذلك النبي صلى الله عليه وسلمالماء الذي يتطهر به وهو سبب لكل نظافة ووضاءة ومصدر لإزالة الاوساخ( ).

       وحين وصل إلى مكة وقبل دخوله إليها اغتسل، مؤكداً بذلك على ضرورة النظافة فهو بطوافه بالبيت الحرام، أو سعيه بين الصفا والمروة سيكون قريباً من الناس وعلى تماس معهم، فأراد أن ينبه من معه من الحجاج إلى ضرورة التنظف وعدم إيذاء الآخرين بما يمكن أن يصدر عن الجسم من روائح كريهة. كما كان يؤكد عليهم بقوله: ((إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ، فَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ، وَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا شَامَةً فِي النَّاسِ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَالتَّفَحُّشَ ))( )وقد أقتدى الصحابة به من بعده فهذا ابن عمر ( ) كان يفعل ذلك، وهو من أكثر الناس إتباعاً لسنته عليه الصلاة والسلام فعن نافع( ) قال: كان ابْنَ عُمَرَ((إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ بَاتَ بِذِي طَوًى حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ، ثُمَّ يَدْخُلَ مَكَّةَ نَهَارًا وَيَذْكُرُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ فَعَلَهُ))( ).  

     وتعهد صلى الله عليه وسلمطيلة مدة حجه ومكوثه في مكة طهارة بدنه ونظافته، حتى أنه كان يتطهر ويتطيب مالم يكن محرما في أغلب الأحيان، فها هو يتَطَيَّبَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ، وَلِإِحْلَالِهِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ فِي يَوْمِ النَّحْرِ، وَهُوَ السَّبْتُ الْمَذْكُورُ، طَيَّبَتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ بِيَدَيْهَا( ).

      فنبينا الكريم صلى الله عليه وسلمتعامل مع النظافة بكل صورها وأشكالها كقيمة حضارية، ودلالة من دلالات رقي المجتمعات، بينما نجد الكثير من الحجاج اليوم، وهم يؤدون مناسكهم، تسود سلوكياتهم العشوائية، والفوضوية، واللامبالاة في نظافة أجسامهم أو ملابسهم، ورميهم للنفايات في الطرقات والأماكن العامة، إذ تتكدس تلك النفايات بأكوام كبيرة، تشمئز نفس الناظر اليها، ففي منى وحدها خلال مدة مكوث الحجاج فيها تجد عشرات الأطنان إن لم تصل إلى مئات من تلك الأوساخ والنفايات، على جانبي الطريق، وفي أحيان كثيرة وسط الطريق. في حين جعل النبي صلى الله عليه وسلمإماطة الأذى حقاً من حقوق الطريق.  

      فما ينقص المسلم اليوم ولاسيما وهو في اشرف بقاع الأرض لتأدية نسك عظيم أوجبه الله  عليه، أن يتمثل بالقيم السلوكية والحضارية في ديننا الحنيف، ويتبع السلوكيات الرفيعة التي تعامل نبينا الكريم صلى الله عليه وسلمبها في حجته، لنعيش في بيئة نظيفة متحضرة خالية من كل أنواع الأوساخ والقاذورات ولاسيما النخامات والبصاق الذي يملأ الطرقات، للخارج من المسجد الحرام، وقد شكل منظراً مقززاً تشمئز منه الطباع السليمة والفطرة القويمة التي فطرها الله، وكأن مسلمنا اليوم يحمل بين جنباته عداءً واضحاً وصريحاً للبيئة التي يعيش عليها أو يؤدي نسكه وشعائره التعبدية فيها. فينبغي أن تكون العلاقة بين المسلم وبيئته علاقة مودة ووئام، لتمثل بعد ذلك ضرباً من ضروب العبادة الحقة لله تعالى، وتجسد قيمة حضارية من قيم الالتزام التي أرداها له، باعتبار أن الكون وكل ما فيه مظهراً من مظاهر الإبداع الإلهي، المتجلي في دقة صنعه وجمال منظره( ). كما إننا لا نشك أن مسلمنا اليوم بحاجة إلى ثقافة بيئية يتعايش معها في بلاده قبل أن يتوجه إلى بيت الله الحرام، لأن مثل هذه السلوكيات غير المرغوب فيها تعكس صورة عن واقع المسلم في بلده الذي يقطن فيه.     


الخاتمة
 الحمد لله الذي به تتم الصالحات، والصلاة والسلام على نبينا ورسولنا ومن كان سبباً لإنقاذنا في الحياة وبعد الممات وعلى آله وصحبة ومن اهتدى بهديه إلى أخر اللحظات.
 وبعد..
فان ما توصلت اليه من نتائج لدراستنا للقيم السلوكية الحضارية التي مارسها رسولنا صلى الله عليه وسلمفي رحلة حجته المباركة ما يأتي:
1-    جاء الإسلام بقيم حضارية متعددة لكل جوانب حياة الإنسان، والهدف من ذلك، الارتقاء به إلى حياة كريمة، هانئة، خالية من الانتهاك لكرامته، أو إنسانيته. 
2-    سمو القيم التي حملها عليه الصلاة والسلام تجاوزت الحدود البشرية لتتعامل مع معطيات الكون والبيئة التي يعيش عليها.
3-    جسد الرسول صلى الله عليه وسلمكافة القيم الحضارية التي جاء بها الإسلام في رحلة حجته (حجة الوداع) واستطاع أن يحولها إلى ممارسات عملية واقعية لتلك القيم ولاسيما السلوكية منها.
4-    رسم لأمته من بعده الطريق القويم في التعامل مع كافة جوانب حياتهم ولاسيما التعبدية مع الشعائر أو السلوكية مع الآخر وفق القيم الحضارية وبأسلوب متمدن ومتحضر، دون إخلال لصفة التطبيق السليم، والالتزام الصحيح.

5-    كان عليه الصلاة والسلام قدوة في مراعاة قيم عديدة يمكن أن يغفل عنها الكثير من المسلمين، ولاسيما وهم مشغولون بتأدية المناسك والشعائر، وفي وسط مزدحم بالناس، مع وجود الكثير من الصعوبات والمعوقات، والتي من شأنها أن تؤثر على جودة الأداء والالتزام بالمنهج الاسلامي الصحيح. 
6-    تعد هذه الممارسات الحضارية التي جسدها عليه الصلاة والسلام في حجته أعلى أنو السمو الانساني الذي تدعو اليه المنضمات والمؤسسات التي تعنى بحقوق الانسان في كافة أنحاء العالم.
7-    يجدر بكافة المسلمين اليوم تفعيل قيم الالتزام السلوكي في كافة الميادين وعلى مختلف الأصعدة، وفق المنهج الرباني الذي بينه لهم المولى  ، وطبقه النبي عليه الصلاة والسلام، للوصول الى الغاية العظمى، والهدف الاسمى، الذي خلقهم الله من أجله، فضلا عن كونهم الأمه القدوة لكل الأمم. 

8-    ما يمكن الخروج به من توصيات من خلال هذه الرحلة المباركة مع القيم السلوكية الحضارية التي كرسها عليه الصلاة والسلام في حجته، ينبغي على كافة زوار بيت الله الحرام حجاجاً ومعتمرين التعامل برقي وتمدن مع كل الشعائر التعبدية التي يمارسونها في بيت الله الحرام وضبط النفس أمام من يتصرف بسلوكيات غير حضارية محاولين ارشاده بالحكمة والموعظة الحسنة إلى المنهج القويم الذي ورثناه عن نبينا صلى الله عليه وسلموالذي يعكس التربية الاسلامية الحضارية التي تربى عليها.
9-    وفق تصوراتي العلمية موضوع قيم الحج بكل جوانبها والتي كرسها النبي عليه الصلاة والسلام في حجته (حجة الوداع) تحتاج إلى دراسات معمقة تهتم بهذه الجوانب ليتسنى لكافة المسلمين ولاسيما زوار بيت الله الحرام الافادة منها وتطبيقها وفي شعائرهم التعبدية



     
المصادر والمراجع
إبراهيم: د. زكريا
1-    مشكلات فلسفية معاصرة، المشكلة الخلقية، مكتبة مصر (القاهرة/1998م)
ابن الاثير: مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن محمد الشيباني الجزري (ت:606ه)
2-    النهاية في غريب الحديث والاثر، تحقيق: طاهر أحمد الزاوى - محمود محمد الطناحي، المكتبة العلمية (بيروت/1399هـ/1979م).
الإمام احمد: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (ت:241ه)
3-    مسند الإمام احمد، تحقيق: شعيب الأرناؤوط – عادل مرشد – واخرون، مكتبة الرسالة (بيروت/1421ه/2001م).
البخاري: محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي (ت: 256ه)
4-    الأدب المفرد، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، دار البشائر، ط3 (بيروت/ 1409ه/ 1989م)
5-    التاريخ الكبير، دار المعارف العثمانية (حيدر آباد/بلا).
6-    الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه = صحيح البخاري، تحقيق: محمد بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (بيروت/1422ه).
ابن بطال: أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك (ت: 449هـ)
7-    شرح صحيح البخاري لابن بطال، تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم، مكتبة الرشد، ط2 (الرياض/1423ه/ 2003م).
البلادي: عاتق بن غيث بن زوير بن زاير بن حمود بن عطية بن صالح (ت: 1431ه)
8-    معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية، دار مكة (مكة المكرمة/1402ه/1982م).
البيهقي: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر (ت:458ه)
9-    دلائل النبوة، تحقيق: د. عبدالمعطي قلعجي، دار الكتب العلمية (بيروت/ 1408ه/1988م).
ابن حبان: محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ، التميمي، أبو حاتم، الدارمي، البُستي (ت:354هـ)
10-    صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، بترتيب الامير علي بن بلبان الفاسي (ت:739ه)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة (بيروت/1408ه/2088م).
11-    الثقات، دار المعرف العثمانية (حيدرآباد/1393ه/1973م).
ابن حجر: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (ت: 852هـ)
12-    الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلى محمد معوض، دار الكتب العلمية (بيروت/1415ه).
13-    فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق: محب الدين الخطيب، دار المعرفة (بيروت/ 1379 ه).
ابن حزم: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي (ت: 456هـ)
14-    حجة الوداع، تحقيق: ابو صهيب الكرمي، بيت الافكار الدولية ( الرياض/1998م).
الحلبي: علي بن إبراهيم بن أحمد الحلبي، أبو الفرج، نور الدين ابن برهان الدين (ت:1044ه)
15-    السيرة الحلبية = انسان العيون في سيرة الامين المأمون، دار الكتب العلمية، ط2 (بيروت/1427ه).
الحموي: شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي (ت: 626ه)
16-    معجم البلدان، دار صادر، ط2 (بيروت/1995م)
الخركوشي: عبد الملك بن محمد بن إبراهيم النيسابوري (ت:407ه)
17-    شرف المصطفى، دار البشائر الإسلامية (مكة/1426ه).
ابن خزيمة: أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر النيسابوري (ت: 311هـ)
18-    صحيح بن خزيمة، تحقيق: د. محمد مصطفى الاعظمي، المكتب الاسلامي(بيروت/بلا).
الخطابي: أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي المعروف بالخطابي (المتوفى: 388هـ)
19-    معالم السنن، وهو شرح سنن ابي داود، المطبعة العلمية (حلب/1351ه/1932م).
الخطيب: د. محمد عبدالفتاح
20-    قيم الإسلام الحضارية – نحو إنسانية جديدة ، كتاب الأمة، سلسلة دورية تصدر كل شهرين عن إدارة البحوث والدراسات الإسلامية في دولة قطر، السنة الثلاثون، العدد:139 (الدوحة/ 1431ه).
ابو داود: سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (ت: 275هـ)
21-    سنن ابي داود، تحقيق: شعيب الأرناؤوط و محمد كامل قره بللي، دار الرسالة العالمية (بيروت /1430ه/2009م).
ابن سعد: أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي بالولاء، البصري، البغدادي المعروف بابن سعد (ت: 230هـ)
22-    الطبقات الكبرى، تحقيق: احسان عباس، دار صادر (بيروت/1968م)
ابن سيد الناس: محمد بن محمد بن محمد بن أحمد، ابن سيد الناس، اليعمري الربعي، أبو الفتح، فتح الدين (ت: 734هـ)
23-    عيون الاثر في فنون المغازي والشمائل والسير، تعليق: ابراهيم محمد رمضان، دار القلم (بيروت/ 1414ه/1993م).
ابو الشيخ: أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأنصاري (ت:369ه)
24-    أخلاق النبي وآدابه، تحقيق: صالح بن محمد الونيان، دار المسلم للنشر ( بلا/ 1998م)
الطبراني: سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي (ت: 360ه)
25-    المعجم الكبير، تحقيق: حمدي عبدالمجيد السلفي، مكتبة ابن تيمية، ط2 (القاهرة/بلا)
عارف: نصر محمد
26-    نظريات التنمية السياسية المعاصرة، دراسة نقدية معاصرة في ضوء المنظور الحضاري الإسلامي ، منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي، دار القارئ العربي (القاهرة/1401ه/1981م).  
ابن عبدالبر: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (ت:463هـ)
27-    الاستذكار، تحقيق: سالم محمد عطا و محمد علي معوض، دار الكتب العلمية (بيروت /1421ه/ 2000م).
28-    الدرر في اختصار المغازي والسير، تحقيق: د. شوقي ضيف، دار المعارف، ط2 (القاهرة /1403ه).
ألعظيم آبادي: محمد أشرف بن أمير بن علي بن حيدر، أبو عبد الرحمن، شرف الحق، الصديقي، (ت:1329هـ)
29-    عون المعبود شرح سنن أبي داود، ومعه حاشية ابن القيم: تهذيب سنن أبي داود وإيضاح علله ومشكلاته، دار الكتب العلمية، ط2 (بيروت/ 1415ه).
ابو عوانه: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم النيسابوري الإسفراييني (ت:316هـ)
30-    مستخرج ابي عوانة، تحقيق: أيمن بن عارف الدمشقي، دار المعرفة (بيروت/1419ه /1998م).
العيني: أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابى الحنفى (ت:855ه)
31-    عمدة القارئ شرح صحيح البخاري، دار احياء التراث العربي (بيروت/بلا).
قريبي: إبراهيم بن إبراهيم
32-    مرويات غزوة حنين وحصار الطائف والطائف، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية (المدينة المنورة /1412ه).
القسطلاني: أحمد بن محمد بن أبى بكر بن عبد الملك القتيبي المصري (ت:923ه)
33-    المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، المكتبة التوفيقية (القاهرة/ بلا).
ابن القيم: ابو عبدالله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي، الشهير بابن القيم (ت:751ه)
34-    تهذيب سنن أبي داود وإيضاح علله ومشكلاته، مطبوع بحاشية كتاب عون المعبود شرح سنن ابي داود، دار الكتب العلمية، ط2 (بيروت/1415ه).
ابن كثير: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (ت:774هـ)
35-    الفصول في سيرة الرسول، تحقيق: محمد العيد الخطراوي و محيي الدين مستو، مؤسسة علوم القران، ط3 (بلا/1403ه).
 ابن ماجة: أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني (ت:273هـ)
36-    سنن ابن ماجة، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد و محمَّد كامل قره بللي و عَبد اللّطيف حرز الله، دار الرسالة العالمية (بيروت/1430ه/2009م).
المخلص: محمد بن عبد الرحمن بن العباس بن عبد الرحمن بن زكريا البغدادي (ت: 393ه)
37-    المخلصيات واجزاء اخرى لابي طارق المخلص، تحقيق: نبيل سعد الدين جرار، وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية لدولة قطر (الدوحة/1429ه/2008م).
المزي: يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف، أبو الحجاج، جمال الدين ابن الزكي أبي محمد القضاعي الكلبي (ت:742ه)
38-    تهذيب الكمال في أسماء الرجال، تحقيق: د. بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة (بيروت /1400ه/1980م).
مسلم: مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (ت:261هـ)
39-    المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم= صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، دار احياء التراث العربي (بيروت/بلا).
المقريزي: أحمد بن علي بن عبد القادر، أبو العباس الحسيني العبيدي (ت:845ه)
40-    إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع، تحقيق: محمد عبدالحميد النميسي، دار الكتب العلمية (بيروت/1420ه/1999م).
ابن الملقن: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري (ت:804هـ)
41-    غاية السول في خصائص الرسول ، تحقيق: عبد الله بحر الدين عبد الله، دار البشائر الإسلامية (بيروت/بلا).
المناوي: زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي  (ت:1031هـ)
42-    فيض القدير شرح الجامع الصغير، تعليق: ماجد الحموي، المكتبة التجارية الكبرى (القاهرة/ 1356ه)
النجار: د. عبدالمجيد عمر
43-    قضايا البيئة من منظور إسلامي، كتاب الأمة، سلسلة دورية تصدر كل شهرين عن إدارة البحوث والدراسات الإسلامية في دولة قطر، العدد (94) لسنة (1429ه/1999م).
ابو نُعيم: أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني (ت:430هـ)
44-    معرفة الصحابة، تحقيق: عادل بن يوسف العزاوي، دار الوطن ( الرياض /1419ه /1998م).
الهروي: محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو منصور (ت:370هـ)
45-    تهذيب اللغة، دار احياء التراث العربي (بيروت/2001م)
الواقدي: محمد بن عمر بن واقد السهمي الأسلمي بالولاء، المدني، أبو عبد الله(ت: 207ه)
46-    المغازي، تحقيق: مارسدن جونس، دار الاعلمي (بيروت/1409ه/ 1989م).
الدوريات
الخضري: د. محمد أحمد ، وسمارة: د. نواف احمد
47-    القيم البيئية من منظور إسلامي، مجلة الزرقاء للبحوث والدراسات الانسانية، المجلد التاسع، العدد الثاني، 2009 .
قريبع: محمد عياد
48-    القيم الحضارية الخالدة في الدين الإسلامي، المجلة الجامعة، العدد السابع، لسنة 2005م.




 
‌تعد حجة النبي صلى الله عليه وسلم(حجة الوداع) ممارسة عملية، لجوانب اساسية ومهمة في ديننا الحنيف، وفي مقدمتها الشعائر التعبدية، والتي تمثلت بمناسك الحج، والعودة بالناس إلى دين ابراهيم الخليل ونبذ كل الت‌
‌ملخص البحث دور الإيمان في توجيه السلوك الاقتصادي للمسلم إن من أهم ما يمكن ملاحظته – ولا سيما على المستوى الاقتصادي – ذلك التلازم الكبير بين مفاصل العقيدة ومجمل السلوك اليومي للمرء . وطالما إن الأم‌
‌ تشكل الأخلاق مجموعة من القواعد والمبادئ، التي تُحدد ما ينبغي أن يكون عليه السلوك الإنساني، وعلى أساسها يكون مقبولاً أو مرفوضاً، وتعد إشكالية أسس القيم الخلقية من أبرز وأقدم الإشكاليات الفلسفية التي ‌
‌تثار بين الحين والأخر شبهات وافتراءات تخص الفتح الإسلامي للمنطقة الكردية وما رافق هذا الفتح من تداعيات ونتائج، حيث تطفو على السطح الأفكار والمعتقدات التي طالما تشدق بها المستشرقون والمنصرون وتلامذتهم ‌
‌ بينما كانت القوات البريطانية منشغلة بتمشيط منطقة برواري بالا من الثوار خوفًا من قيامهم بانتفاضة أخرى تعيد إلى الأذهان انتفاضة العمادية، انقض الثوار الكرد على معسكر سواره توكا، وأحدثوا فيه خسائر جس‌
‌معركة سوارة توكا: كانت حادثة إحتلال الإنكليز لمدينة العمادية للمرة الثانية وإعتقال العشرات من سكانها وإعدام آخرين، بجانب الملحمة البطولية التي سطرها الثوار إبان معركة مضيق مزيركا (حافزًا) لعدد من ز‌
‌ كان لابد لسلطات الاحتلال البريطاني، بعد أن أعادت احتلالها لمدينة العمادية، أن تتفرغ للثوار الذين انسحبوا الى منطقة برواري بالا، خلف جبل متين، لئلا تتصل انتفاضتهم بانتفاضة منطقة زاخو، التي يقوم بها ث‌
‌بعد احتلال بامرني وإعتقال زعماء الطريقة النقشبندية، كان لابد للإنكليز من إعادة السيطرة على مدينة العمادية التاريخية، عاصمة الإمارة البهدينانية لعدة قرون خلت، والتي بقيت تدار من قبل المقاتلين الكرد لمد‌
1 من 8 المجموع 40     
 
 
  
Copyright ©, All Right Reserved.